«الطوق الأمني» للمفرج عنهم في جرائم تعاطي المخدرات.. ماله وما عليه

6 أغسطس 2019 المصدر : بقلم الباحث: حمد سيف سالم اليحيائي تعليق 1691 مشاهدة طباعة
أضحت المنافسة على أشدها بين دول المنطقة وخاصة الشرق الأوسط والخليج خلال السنوات الثلاث الماضية، يتجسد في تنافس محموم على تطبيق نظام المراقبة الإلكترونية ( الطوق الأمني أو السوار الإلكتروني) كعقوبة بديلة للسجن، وذلك بعد دراسات متعددة من الجهات الأمنية عن مدى فعالية التطبيق الجديد على مجتمعاتنا العربية بعد الاطمئنان من نتائج التطبيق في الدول الأوربية.
 
وتأتي الجدوى المادية في مقدمة أسباب اللجوء إلى هذا التطبيق؛ إذ يوفر مبالغ طائلة، كانت تذهب لتكلفة السجين من حيث الإيواء والغذاء والعلاج وأيضا النقل والحراسة، ومن جهة أخرى ومقدمة لا يمكن إغفال الجانب الاجتماعي والنفسي حيث أعطى النظام الجديد للمُعاقب متنفسا للحرية بعيدا عن قضبان السجون وقريبا من الأسرة.
 
وكما هو معلوم فإن المشرع قد حدد لكل جريمة عقوبة موازية لها على أن تكون رادعة للشخص نفسه ، ولمن تسول له نفسه ارتكابها مستقبلا، ومن هذا المنطلق فالجرائم تختلف في درجة خطورتها وانتشارها ونوعها، وأيضا تختلف في تأثيرها على المجتمع، لذلك فلا يلزم أن يكون هناك إجراء أو تطبيق عقوبة واحدة على جرائم مختلفة في المضمون، ومن مبدأ آخر يجب أن تكون العقوبة ذات جدوى لاحقة على سلوك الجاني أو مرتكب الجريمة.
 
 لذلك فإن تطبيق المادة (111 ) والمادة ( 110) من قانون العقوبات الإماراتي والمادة (58) من قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية أتاحت للقاضي مساحة أكبر فيما يراه مناسبا للحكم في القضايا المحددة حسب القانون ومجالا أوسع لما يراه مناسبا وبذلك تم استخدام آلية (الطوق الأمني) أو السوار الإلكتروني والتدابير التابعة له بالإضافة إلى حظر ارتياد أماكن معينة ، وأيضا المراقبة في عدد من القضايا الأخرى، وقد كان هناك أثر إيجابي وصدى مجتمعي واسع لنجاح تطبيق (السوار الالكتروني) كما ذكرت سابقا في القضايا المالية والديون بحيث أعطى فرصة ومجالا للأشخاص في تسديد القضايا المالية دون الدخول إلى السجن ، ولا يخفى ما للسجن من توابع سلبية على الشخص، منها التغيب عن العمل ما قد يؤدي إلى الفصل من جهة عمله، وتعطيله عن أداء مسؤولياته وتراكم المشكلة بشكل أكبر .

  لذلك كان التطبيق ناجحا بكل المقاييس في هذا الجانب، وأيضا يمكننا تكرار هذا النجاح على الأشخاص ذوي الخطورة الأمنية بحيث يمكن تتبع أماكن وجودهم ، وحظر أماكن بعينها عليهم من ارتيادها مما يمكن من وضع نوع من السيطرة على تحركاتهم للحد من خطورتهم . أما إذا انتقلنا إلى قضايا تعاطي المخدرات وخاصة بعد صدور القانون رقم (8 لسنة 2016) بتعديل بعض أحكام القانون الإتحادي (رقم  14  لسنة 1995) في شأن مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية (المادة 42 )، فنلاحظ أن هناك مساحة كبيرة من الثقة نالها الطرف الآخر (المتعاطي) دون أن نقف على حقيقة ضمان عدم العودة إلى التعاطي في ظل وجود كافة المعطيات التي يحتاجها مثل الحرية.
تبدو هذه الثقة بحاجة إلى مراجعة، فمعظم من يتعاطون المخدرات لا يهدرون فرصة التعاطي حتى وهم في السجن، وهناك حالات وفاة بسبب الجرعة الزائدة تم تسجيلها في سجون عدد من الدول، وحالات تهريب للمخدرات إلى السجن، وأيضا ثبوت حالات تعاطي داخل السجن.. كل ذلك يؤكد أن المتعاطي هو شخص «مستعبد» نفسيا وبدنيا للمادة المخدرة.
 
لذا لو فرضنا أن التطبيق سيكون فقط على أصحاب التجربة الأولى في التعاطي، فذلك فقط من الناحية القانونية أي أن المتعاطي وقف لأول مرة أمام القضاء في قضية تعاطٍ ولكن فعلياً والحقيقة التي لا يغفل عنها رجال مكافحة المخدرات أن الغالبية العظمى من المتعاطين قد جربوا المخدرات وأدمنوها لأشهر وسنوات قبل القبض عليهم وهم من نطلق عليهم (المتعاطي المسـتـتر)  بمعنى أن التجربة الأولى للتعاطي عند القضاء تختلف عن التجربة الأولى الفعلية.
وإضافة إلى الحرية نجد أن النطاق المكاني الجغرافي غير كاف كرادع مثل القضايا المالية أو القضايا الأمنية التي يكون فيها المكان وتحديد المكان رادعاً أو متحكماً نوعاً ما في الشخص وسلوكه ونجد العكس في قضايا التعاطي .
 
إن تحديد أو حظر أو الإلزام بالإقامة ، وأيضا المنع من الإقامة في مكان معين كلها لا تمنع العودة لجريمة التعاطي، ويمكن للشخص أن يتعاطى المخدرات في منزله أو أن تصله إلى مكان إقامته بسهولة ، إضافة إلى ذلك فالقانون المعدل (8 لسنة 2016) قد ينظر بعين الاعتبار والرأفة إلى الشخص المتعاطي لأول مرة بداعي التجربة أو إغواء الأصدقاء له،  فتطاله الغرامة المترتبة مع أحد تدابير الخدمة المجتمعية ، أما من زاوية المتعاطي (المســتـتر) فهي بمثابة طوق النجاة من السجن عند القبض عليه بتهمة التعاطي وهو يعتبر دافعاً نفسياً مساعداً لعملية الاستمرار في التعاطي .   

 لذلك من وجهة نظرنا المتواضعة فإنه لا تتوافر حدود ردعٍ كافيةٍ في الطوق الإلكتروني لقضايا تعاطي المخدرات وخاصة بعد تطبيق القانون المعدل (8 لسنة 2016) واستخدام السوار كعقوبة مكملة وذلك للأسباب المذكورة أعلاه وأيضاً يجب أن تتوفر لدى الجهات القضائية قاعدة بيانات لقياس تجربة (الطوق الأمني) قبل التطبيق ، وذلك لمعرفة نسبة العودة قبله وبعده ، بالإضافة إلى معرفة أعداد المتعاطين قبل تنفيذ القانون المعدل وبعده، والتريث قليلا وأخذ وجهات النظر من كافة الجهات القضائية والأمنية والاجتماعية وأيضا التأهيلية العلاجية، وذلك لأهمية تكامل أفكار كل الجهات مجتمعةً في قضية الإدمان، وأيضاً يجب ربط الجهات المتعددة بنظام شامل لمعرفة كافة الجهات المختصة بمراحل حياة الشخص المتعاطي منذ بداية تعاطيه واستمراريتها للتركيز أكثر على ظاهرة التعاطي وحجم خطورتها على الفرد والمجتمع ، وأن تكون الحلول مدروسةً من كافة الأطراف الحكومية للوصول إلى النجاح في مكافحة ظاهرة تعاطي المخدرات.
 

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اضف تعليق

 تعالوا نقرأ فى كتاب الكون
  24 يونيو 2017        62 تعليق      11182 مشاهده
الإمارات تدعم مطار عدن بأجهزة ومولدات كهربائية
  8 أغسطس 2019        18 تعليق      2008 مشاهده
نور العقل ونور القلب يتجاذبان
  27 مايو 2017        8 تعليق      12275 مشاهده
القرب من أولياء الله والبعد عن أولياء الشيطان
  21 يونيو 2017        5 تعليق      11108 مشاهده
محمد بن راشد يستعرض مع أمير قطر العلاقات الأخوية بين البلدين
 30 أكتوبر 2013        تعليق      70656 مشاهده
كيف تعرفين إذا كان زوجك يحبك أم لا؟
 19 يناير 2014        تعليق      63728 مشاهده
شركات تبيع الوهم باسم الـ تايم شير
 25 ديسمبر 2012        تعليق      42259 مشاهده
دخول تركيا إلى سوريا عقد الأزمة.. أمريكا تتورط أكثر
 31 أغسطس 2016        تعليق      41308 مشاهده