أبنائي الأعزاء التمس منكم الأذن بأن أحزن عليهما

14 سبتمبر 2013 المصدر : تعليق 753 مشاهدة طباعة
جلس الأب أمام مكتبه وراح يسطر هذا الخطاب لأبنه الأكبر الذي يعمل رئيسا لإحدى محاكم الجنايات والذي احتار في التوفيق بين أمه وأبيه وإنهاء النزاع المحتدم بينهما.قال الأب: ولدى وقاضي قضيتي وفلذة كبدي لا أبغى التأثير عليك وحاشا الله أن أطلب منك أن تميل عن الحق فلن يستدعني لا قدر الله أن تميل مع الهوى حتى وإن كان ذلك الميل لصالح والدك فلقد غرست فيك ما استطعت حب الحق ويشقيني أن تميل عنه لا قدر الله وطوال هذه السنوات والعمر تتساقط أوراقه ورقة بعد أخرى لابد من الاعتراف أن أمك كانت مثالية في أمومتها لكم حملت عنى كل متاعب طفولتكم ولم تعتمد على الشغالات رغم بحبوحة العيش التي كانت متوفرة لنا فقد كنت متفرغا تماما للعمل المتواصل بعد أن استقلت من وظيفتي الحكومية وتفرغت للعمل الحر وتعلمت وسائل الأقدام على المزادات التي تعلن عنها الحكومة وأتقنت الفوز بها واستعنت أول الأمر ببعض الموظفين من الزملاء مقابل أجور وهبات وإكراميات لكن في النهاية كان لابد من استخدام موظفين يعملون خلال وقت ويحصلون على أجورهم أول كل شهر واشتريت عمارة عجز صاحبها عن استكمالها وكان مدينا لي بثمن الحديد والاسمنت وطلبت مني أمك أن اكتبها باسمها كمشترية حتى لا تكون هناك شبهة إكراه لصاحبها كمدين لي وأعجبت بوجاهة الفكرة وكان لها ما أرادت وأصبحت المالكة الوحيدة لعمارة من عشر طوابق تحتوي على 40 شقة بخلاف المحلات التجارية وزحف نحوي مفتشو الضرائب وهمست أمك من جديد أن أبيع لها كل الأملاك بيعا صوريا وأسجله وهكذا أتهرب من الضرائب فإذا حجزت عليّ لن تجد إلا أملاكا ضئيلة لا تزيد عن البيت القديم ذي الطوابق الثلاثة الذي كنا نقيم فيه.
 
امتلكت فتحكمت
كنتم قد اكملتم دراستكم وتخرجتم من الجامعة وتزوجتم وحصل كل منكم على وظيفة محترمة ولكن أمكم كانت قد تغيرت تماما بعد أن أصبحت تمتلك كل شيء من أموال وعقارات وأراض وتضاعفت حماقاتها وإهمالها لشأني رغم أنها كانت تري بعينيها حجم الجهد الذي أبذله رغم بلوغي سن الستين عندما نظرت ذات يوم في هويتي الشخصية لم أصدق أنني وصلت لهذه السن كانت مشاغل العمل تستغرقني تماما وتلك الأم توجت نفسها ملكة للطغيان بعد أن سجلت لها كل أملاكي أصبحت متوترة الأعصاب تصرخ إذا همست وتصرخ إذا صمت فكل عمل يصدر مني هو خطأ حتى إذا خلعت ملابس وإذا ارتديتها وإذا حدث دخلت المطبخ وإذا خرجت منه وإذا طلبت من الشغالة أن تضع لي العشاء على المائدة الصغيرة في المطبخ فأنا فوضوي وإذا طلبته على المائدة الكبيرة فأنا السبب المتاعب لها لأن الشغالة الكبيرة تذهب إلى بيتها بعد المغرب ولا تبيت إلا الشغالة الصغيرة وإذا توضأت وخرجت دون أن أجفف قدمي جيدا صاحت كأنما انفجرت قنبلة.
 
وفي كل مرة لا تفطن إلى أن أعصابي ضعفت بحكم المسئولية والسن وفي حاجة إلي من يعمل على توفير الجو الهادئ لي ويراعي مشاعري وتكون النتيجة أنني أصيح فيها وأخيرا أدرك أن منظرنا أصبح سيئا أمام الشغالة الصغيرة . 
 
الهروب إلى الزواج الثاني
ابني العزيز: لعلك تذكر الفتاة التي كانت زميلة لأختك خريجة التجارة والتي تزوجت منذ عامين هل تذكر هذه الفتاة الخجولة التي ألحت على أختك في أن أجد لها وظيفة بعد تخرجها في أحد فروع العمل لدى وكان أن جعلت منها سكرتيرة خاصة وقد برهنت على أنها جديرة بهذا العمل وفي شهور قليلة رفعت راتبها ولست أنكر أنها تحملت عبئا كبيرا عني كانت تعمل وكأنها فريق كامل من الموظفين.
 
وفوجئت بها ذات يوم نكدت عليّ والدتك في صباحه وجعلت الصداع يصيبني بشكل مؤلم فوجئت بهذه الفتاة حينما وصلت المكتب تدخل على وفي يدها وردة جميلة قدمتها إليّ وهي تتعثر في خطواتها وتقول لي أن هذا جهدها في تهنئتي بيوم ميلادي وقفت مذهولا وطار الصداع من رأسي ولم أعرف كيف أشكرها فلا أحد منكم تذكر هذا اليوم ولا حتى أمكم التي تقصف في عمري كل يوم ولا حتى أنا شخصيا تذكرت هذا اليوم.
 
ولم أعرف كيف أرد لها الجميل وشعرت بها وهي تتسلل إلى عروقي مع الدماء ولما كنت أرفض الحرام ولا أفكر فيه فقد أعطيتها شقة في إحدى العمارات. وهيأتها لتكون بيت للزوجية على احدث طراز وكان أهلها كراما فلم يشترطوا حفلا للزفاف واكتفوا بحفل عقد القران في بيتهم وصارت تتساوى في الحقوق تماما مع والدتك وهذا ما جعل أمك تكاد تجن وراحت تشن الحرب عليّ وليس أول جنونها من أنها أقامت ضدي دعوى طرد من كل أملاكي التي كتبتها باسمها على اعتبار أنها اشترتها منى وقدمت عقود البيع إلى المحكمة التي حكمت بأحقيتها وكان أن طعنت بأن هذا البيع كان صوريا ولكن المحكمة كما تعلم رفضت طعني وأيدت الحكم السابق وراحت أمك تمسك بالحكم وتهددني به إما أن أطلق الزوجة الجديدة وإما أن تطردني وتجردني من كل ما كان لي. 
 
أيها القاضي لا تتنحى عن هذه القضية
أيها القاضي لا تتنحي لشعورك بالحرج بالحكم في هذه القضية لأن المدعية أمك والمدعي عليه والدك كن جريئا وأصدر الحكم الذي يرتضيه ضميرك وليكن معلوما لديك أن هذا التنحي إذا كان سوف يرضي ضميرك سوف يدفع بأبيك إلى الجنون والشروع في الانتقام لأنني عندئذ سوف أشعر أنني أصبحت وحدي في هذا الوجود وأن هذه المرأة التي وهبتها كل عمري طائعا تحاول إذلالي واستولت على حب أولادي لأبيهم ومنهم أنت ولو تعلم أن هذا الحب هو عندي أغلى من كل الأملاك والعقارات والأموال.
 
لا أريد أن أكون مجرما في هذا العمر
ولدي وقاضي قضيتي : لا أطلب منك أن تقضي بيني وبين أمك لأنك قاضيا فقط ولكن لأنك أب وزوج وتشعر بمعنى الأبوة وأن تكون زوجتك مصدرا للراحة وليست مصدرا للتعاسة والهم والنكد وقد راقبت عن قرب ما كانت تفعله أمك وكثيرا ما تدخلت لإصلاح ذات البين بيني وبينها.
لكل هذه العوامل ولأنكم أكبر اخوتك وأقرب الجميع إليّ أطلب إليك أن تكون عادلا في حكمك بما يجنبني ما يخالف القانون ويعينني على الخروج من هذا المأزق دون أن تضعني الأحداث والتصرفات في عداد القتلة والمجرمين.
 
تريد طردي مع زوجتي إلى الشارع
ليكن نصب عينيك كما تعلم أنها الآن مالكة لكل ثروتي وانني وزوجتي قد نجد نفسينا في الشارع لا مطرودين لأنني ملكت زوجتي الشقة التي تقيم فيها لكني لأنها لن تستطيع الإنفاق وهي لا تملك سوى شهادتها التي سوف تبحث بها عن عمل وأنا أصبحت الآن رهن إحسانات والدتك ولا أدعى أنني استطيع أن أحصل من جديد على مثل هذه الثروة فكل ما حولي قد تغير ولم تعد لدى الطاقة ولم يعد في وسعي أن أتخلص من قيود اليأس التي تكبلني ولا من أثر الطعنة التي وجهتها إلى والدتك.
 
ولم يعد يدور بذهني إلا الانتقام ولا يمنعني منه إلا أن هذه السيدة هي أمك وأم أخوتك ومن أجلكم عشت الأعوام الأربعين في جهنم ثم جرعتني السم دفعة واحدة .أيها القاضي أتضرع إليك أن تغلق ملف هذه القضية وأن توفر جهدك وقد يدهشك أن أطلب منكم ذلك.
 
إن زوجة أبيك التي نسيناها في زحمة المعركة مع الغني والفقر الحياة أو الموت كانت ترقب كل شيء دون أن تصرح بما يجرح مشاعري أو يؤججها تجاه والدتكم وهذا من حسن خلقها ولأنها تحبني حقيقة ولا تطمع في مال أو ميراث مثل أمكم.
 
التضحية القاتلة
ومن جانبي لم أشأ أن أتمادى في خداع نفسي أبعد من هذا وقررت أن أضحي بالجنة واستقبل النار بنفس راضية وحينما ذهبت إليها لأعلنها بقراري فتحت باب الشقة وإذا بالصمت يلف كل شيء اتجهت إلى غرفة النوم وأن أهتف باسمها في نبرة حزينة .
 
كانت في السرير فقد ردتها أمك من الشركة كانت تغطي وجهها كله بملاءة تتقي الضوء القادم من النافذة الزجاجية وكانت عادتهاعندما تغضب مني أن تنام دون أن تتحدث إلي تسمع فقط تخاصمني كما يفعل الأطفال وأدركت أنها غاضبة فجلست على حافة السرير ورحت أهذى وكلماتي تثقب الصمت ثم تعود فأسمعها كأن غيري يقولها.
 
قلت لها إنني لا أقدمها قربانا لعودة أملاكي فهي تعرف أنها عندي أعز من العالم كله لكنني قررت فراقها وطلاقها لكي أعيد الأسرة التي تمزقت إلى ما كانت عليه وأنني أهبها الثقة وكل ما أريده من مؤخر صداق ونفقة وعليها ان تعرف أنني أحبها وأتمنى لها أن تعثر على ابن الحلال الذي يسعدها بعيدا عن مشاكل المال والأعمال وزوجة أخرى ناكرة للجميل وبعض أبناء نسوا تضحيات أبيهم من أجلهم ولتكن شجاعة مثلي وتتحمل أمل الفراق وسكت لكي أسمع ردها.
 
لم ترفض ولم تقبل فسألتها غاضبا أن تجيبني ومددت يدي فجذبت الملاءة عن وجهها فإذا بي أتحدث إلى جثة هامدة .وإلى جانب الوسادة كانت هناك رسالة منها تقول فيها إنها تعيدني إلى أسرتي أما هي فتعود إلى بطن الأرض وأنها ابتعلت كمية من الحبوب المهدئة تكفي لقتل فيل.كانت الابتسامة مرسومة على شفتيها وكأنها ملاك أو طفلة تحلم أدركت قبل الجميع أن حل الورطة في يدها وأقدمت على الانتحار لكي نعيش جميعا بقية أيامنا في انتحار دائم لم تشأ أن يمس جسدها إنسان غيري رغم انها في ريعان شبابها لم تشأ أن تفتح قلبها لشخص آخر ولو من باب المجاملة والأمر الواقع وفضلت أن تضحي التضحية النهائية التي جعلتني أنا أيضا أودع معها كل شيء كان جميلا في حياتي معها.
 
وبعد التحقيق أغلق المحضر وصرحت النيابة بدفن الجثة فقط ألتمس التصريح لي بالحزن يا أولادي لعلي الحق بها قريبا ولتهنأ أ‍مكم بالأموال والعقارات والشركات فلم يحدث أن أخذ ثري من الأثرياء ماله وعقاراته معه إلى قبره. 

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اضف تعليق

 تعالوا نقرأ فى كتاب الكون
  24 يونيو 2017        62 تعليق      10459 مشاهده
الإمارات تدعم مطار عدن بأجهزة ومولدات كهربائية
  8 أغسطس 2019        18 تعليق      1265 مشاهده
نور العقل ونور القلب يتجاذبان
  27 مايو 2017        8 تعليق      11516 مشاهده
القرب من أولياء الله والبعد عن أولياء الشيطان
  21 يونيو 2017        5 تعليق      10647 مشاهده
محمد بن راشد يستعرض مع أمير قطر العلاقات الأخوية بين البلدين
 30 أكتوبر 2013        تعليق      69895 مشاهده
كيف تعرفين إذا كان زوجك يحبك أم لا؟
 19 يناير 2014        تعليق      62997 مشاهده
شركات تبيع الوهم باسم الـ تايم شير
 25 ديسمبر 2012        تعليق      41801 مشاهده
دخول تركيا إلى سوريا عقد الأزمة.. أمريكا تتورط أكثر
 31 أغسطس 2016        تعليق      40860 مشاهده

موضوعات تهمك