على هامش «دافوس 2026»
«تريندز» و «معهد الشرق الأوسط بسويسرا» يرسمان خارطة طريق لشراكة استراتيجية بين أوروبا والخليج
بالتزامن مع أعمال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي 2026، نظّم مركز تريندز للبحوث والاستشارات (TRENDS)، بالتعاون مع معهد الشرق الأوسط في سويسرا (MEIS)، "الحوار الاستراتيجي بين أوروبا والشرق الأوسط»، وذلك في مقر «دافوس لودج»، بمشاركة رفيعة المستوى ضمّت نخبة المسؤولين، ، والرؤساء التنفيذيين، وقادة الفكر والخبراء الاستراتيجيين من أوروبا ودول الخليج.
وجاء الحوار في توقيت يشهد فيه النظام الدولي تحولات عميقة، تتراجع فيه الأحادية لصالح تعددية قطبية آخذة في التشكل، ما يفرض إعادة صياغة أنماط الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية بين القوى المتوسطة والفاعلة.
من التعاون التقليدي إلى الشراكة الاستراتيجية
وافتتح الدكتور محمد عبدالله العلي، الرئيس التنفيذي لمركز تريندز للبحوث والاستشارات، أعمال الحوار بكلمة أكد فيها أن العالم في عام 2026 يمر بمرحلة مفصلية يعاد خلالها رسم خرائط النفوذ والتحالفات الدولية، مشدداً على أن العلاقة بين أوروبا والشرق الأوسط، ولا سيما دول الخليج، لم تعد تقتصر على التبادل التجاري أو الشراكات الظرفية، بل باتت شراكة استراتيجية تفرضها التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.
ودعا الدكتور العلي إلى الارتقاء بهذه العلاقة من منطق «خفض المخاطر» (De-risking) إلى منطق «بناء المرونة المشتركة" (Resilience-building)، عبر تنويع سلاسل الإمداد، والاستثمار في قطاعات المستقبل، وتعزيز التكامل بين الطاقة والتكنولوجيا والمعرفة.
من جانبه، أكد الدكتور فيكتور ج. ويلي، المدير التنفيذي لمعهد الشرق الأوسط في سويسرا، أن الحوار يعكس إدراكاً متزايداً لدى الجانبين الأوروبي والخليجي بضرورة بناء أطر تعاون طويلة الأمد تقوم على الثقة والابتكار المشترك، في ظل تسارع التغيرات الجيوسياسية العالمية.
السيادة الرقمية والذكاء الاصطناعي.. جسور لا حواجز
وشهدت الجلسة الأولى، التي جاءت بعنوان «بناء جسور رقمية موثوقة للتعاون العالمي»، نقاشاً معمقاً حول السيادة الرقمية والذكاء الاصطناعي باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للشراكة المستقبلية بين أوروبا والخليج، وأدارتها سو-يونغ كانغ، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «جي نوبي» في سنغافورة.
وأكد سعادة الدكتور محمد الكويتي، رئيس مجلس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات، أن تجربة دولة الإمارات في تطوير أطر وطنية متقدمة لحوكمة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني تمثل نموذجاً عالمياً يوازن بين الابتكار والأمن، مشدداً على أهمية تعزيز البحث والتطوير العابر للحدود بين الاتحاد الأوروبي ودول الخليج في مجال التقنيات الناشئة.
بدوره، أشار السفير وولفغانغ أماديوس برولهارت، المبعوث الخاص لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في سويسرا، إلى التحديات التي تواجه الدول الصغيرة والمحايدة في ظل تنافس القوى الكبرى، مسلطاً الضوء على مشاريع الممرات الاقتصادية والرقمية، ومنها «ممر الشرق الأوسط»، كفرص استراتيجية لتعزيز التعاون بين أوروبا والخليج.
كما تناول البروفيسور أوليفييه أولييه، الأستاذ الزائر في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، وإيفان غونزاليس، الرئيس التنفيذي لحلول الشركات في مجموعة «سويس ري»، العلاقة التكاملية بين موارد الطاقة وتطوير الذكاء الاصطناعي، مؤكدين أن هذا التكامل يمنح أوروبا والخليج قدرة تفاوضية أعلى في مواجهة التكتلات الدولية الأخرى.
من "متلقي القواعد" إلى "صنّاع القواعد"
وركزت الجلسة الثانية من الحوار، التي جاءت بعنوان «الاستثمار في المرونة: تعزيز الشراكات التجارية والاقتصادية»، وأدارتها كريستين كلير غرييف، رئيسة النمو في شركة FGS Global (الولايات المتحدة الأمريكية)، على التحول المتسارع لدول الخليج إلى مراكز عالمية للأعمال والاستثمار والابتكار.
وأكد معالي لويجي دي مايو، الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لمنطقة الخليج، أن ما يُعرف بـ«القوى المتوسطة» باتت مطالبة بتعزيز التنسيق والتكامل لضمان استقرار سلاسل التوريد وحماية الأسواق من الصدمات الجيوسياسية، مشيراً إلى التقدم المحرز في مفاوضات اتفاقيات التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وكل من دولة الإمارات ودولة قطر.
وحذر السير مارتن سوريل، المؤسس ورئيس مجلس الإدارة التنفيذي لشركة S4 Capital، من أن أنماط المدفوعات والتحويلات المالية باتت تعكس المحاذات الجيوسياسية الجديدة، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي والطاقة يعيدان تشكيل خريطة النمو العالمي، وموقعاً دولة الإمارات كبديل موثوق في مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي.
من جانبه، طرح علي الأمين، الرئيس التنفيذي التجاري لمجموعة G42، مفهوم «الممرات الرقمية الموثوقة»، موضحاً أن الجمع بين القدرات البحثية الأوروبية والبنية التحتية الرقمية والطاقية المتقدمة في دول الخليج يمكن أن يفضي إلى تشكيل قطب تكنولوجي عالمي جديد قادر على المنافسة في الاقتصاد الرقمي العالمي. كما شدد أديب أحمد، العضو المنتدب لمجموعة لولو المالية القابضة، على الدور المحوري للقطاع الخاص في قيادة هذا التحول، بما يمكّن أوروبا ودول الخليج من الانتقال من موقع «متلقي القواعد» الدولية إلى موقع «صنّاع القواعد» في الأسواق الناشئة.
المعرفة ركيزة الشراكات الدولية
وفي هذا السياق، أكد ناصر آل علي، رئيس قطاع الشؤون الإدارية والإعلام في مركز تريندز للبحوث والاستشارات، أن البحث العلمي والمعرفة يمثلان عنصراً حاسماً في بناء الشراكات الدولية المستدامة، مشدداً على أن العلاقات الخليجية الأوروبية تحتاج إلى أرضية معرفية راسخة تضمن استمراريتها وفاعليتها. وأوضح أن مراكز الفكر تؤدي دوراً محورياً في ربط صناع القرار بالتحليل العلمي الرصين، وتعزيز الفهم المتبادل بين المنطقتين، بما يسهم في صياغة سياسات أكثر توازناً وقدرة على مواكبة التحولات الدولية المتسارعة.
أرقام ودلالات
وسلّط الحوار الضوء على عمق الشراكة الأوروبية الخليجية، إذ يُعد الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر شريك تجاري لدول الخليج، بحجم تجارة سلع يتجاوز 161 مليار يورو، مع تميّز هذه الشراكة بتنوعها النوعي في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة والصناعات الكيماوية والخدمات الاستشارية والبحثية.
حوار مستدام
واختُتم الحوار بالتأكيد على أن لقاء دافوس 2026 لا يمثل فعالية بروتوكولية عابرة، بل يشكّل انطلاقة لمسار حوار استراتيجي مستدام بين أوروبا ودول الخليج، يقوم على تعزيز التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي، وأمن الطاقة، والتحول المناخي، والبحث العلمي، بما يسهم في صياغة ملامح النظام الدولي في مرحلة ما بعد 2026.
وأكد مركز تريندز للبحوث والاستشارات ومعهد الشرق الأوسط في سويسرا (MEIS) أن هذا الحوار يعكس رؤية مشتركة مفادها أن المعرفة والشراكة الاستراتيجية تمثلان الطريق الأمثل لمواجهة تعقيدات عالم ما بعد 2026.