ختاماً لمشاركته في المؤتمر السنوي للأكاديمية العربية الألمانية للشباب للعلوم والإنسانيات
«تريندز جلوبال» في جلسة نقاشية: السيطرة على التكنولوجيا والمعادن الحيوية تحدد ملامح النظام الدولي متعدد الأقطاب
اختتم «تريندز جلوبال»، التابع لمجموعة «تريندز»، عبر مكتبه الافتراضي في ألمانيا، مشاركته كضيف شرف في المؤتمر السنوي للأكاديمية العربية الألمانية للشباب للعلوم والإنسانيات «AGYA»، الذي عقد تحت عنوان «الإنتاج المعرفي متعدد المراكز والتشاركي.. التعاون البحثي عبر الحدود والتخصصات» في مدينة بون الألمانية، وتحت رعاية الوزارة الاتحادية للبحوث والتكنولوجيا والفضاء الألمانية «BMFTR»، حيث قدم باحثو «تريندز» مداخلات علمية ضمن جلسة نقاشية موسعة حملت عنوان «التكنولوجيا والمعادن والقوة».
وتركزت مداخلات الباحثين في هذه الجلسة حول قدرة الحكومات على تعزيز موقعها الإستراتيجي في ظل مشهد تكنولوجي سريع التغير، إلى جانب قدرة المؤسسات البحثية ومراكز الفكر على مساعدة صناع السياسات في الاستجابة للتحديات الناشئة، مؤكدين أن السيطرة على التكنولوجيا والمعادن الحيوية تحدد ملامح النظام الدولي متعدد الأقطاب، كما أن التوسع في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات تشعلان الطلب على الطاقة عالمياً.
إعادة تشكيل المنافسة الدولية
وقال الدكتور محمد أبوغزلة، الباحث الرئيسي، ومدير مكتب «تريندز» الافتراضي في ألمانيا، إن التكنولوجيا والمعادن الحيوية لم تعد مجرد أصول اقتصادية، بل أصبحت مصادر مهمة للنفوذ الجيوسياسي، فالدول التي تسيطر على التقنيات الأساسية والموارد وسلاسل الإمداد قادرة على تعزيز موقعها الدولي، بينما تواجه دول أخرى خطر الوقوع في أشكال جديدة من التبعية، وهذه التطورات تعيد تشكيل المنافسة الدولية وقد تسهم في بروز نظام دولي أكثر تعددية، تزداد فيه قدرة القدرات التكنولوجية على تشكيل القوة الاقتصادية والسياسية.
وأشار إلى أن دول الخليج تقدم مثالاً ذا دلالة خاصة في هذا السياق، فدولة الإمارات، على سبيل المثال، تستثمر في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والبحث العلمي وتنمية المواهب والشراكات الدولية، والهدف لا يقتصر على تبني التقنيات الجديدة فحسب، بل يمتد إلى تطوير قدرات اقتصادية جديدة وتعزيز استقلاليتها الإستراتيجية.
وأضاف أن دول الخليج تمتلك خبرة كبيرة وبنية تحتية وموارد مالية يمكنها دعم الاستثمارات في الطاقة المتجددة والهيدروجين وتقنيات الطاقة النووية المتقدمة وأنظمة الطاقة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه، فإن التوسع السريع في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يؤدي إلى زيادة الطلب على الكهرباء الموثوقة، والدول القادرة على الجمع بين وفرة الطاقة والبنية التحتية المتقدمة قد تحقق مزايا تنافسية كبيرة.
استثمار في التعليم والبحث
ونوه أبوغزلة بأن امتلاك موارد الطاقة لا يعني بالضرورة السيطرة على التقنيات اللازمة لاستخدامها، فالاعتماد على البرمجيات والمعدات والخبرات الفنية الأجنبية قد يخلق ثغرات إستراتيجية، لذلك يجب على الحكومات أن تستثمر ليس فقط في البنية التحتية، وإنما أيضاً في التعليم والبحث والكفاءات الماهرة والقدرات الصناعية المحلية، ويبقى التعاون الدولي ضرورياً، لكنه يجب أن ينوع الفرص بدلاً من أن يخلق اعتماداً مفرطاً على مورد أو شريك واحد.
وبين أن دولة الإمارات وألمانيا تمتلكان إمكانات كبيرة، فالإمارات تسهم بقدراتها الاستثمارية ومواردها من الطاقة وخبرتها في التحول الرقمي، بينما تقدم ألمانيا خبراتها الهندسية المتقدمة وقدراتها الصناعية وإمكاناتها العلمية الراسخة، وتكمن الفرصة في الانتقال من مجرد شراء التكنولوجيا ونقلها إلى مرحلة البحث والتطوير والابتكار المشترك.
من المنافسة إلى التعاون
بدوره، قدم سيف النعيمي، الباحث في «تريندز للبحوث والاستشارات»، مداخلة بعنوان «من المنافسة إلى التعاون.. بناء شراكات من أجل المستقبل»، مؤكداً أن تصاعد المنافسة الدولية في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يمثل مساراً طبيعياً في ظل سعي الدول لتأمين مستقبلها، مشدداً على أن الرهان الحقيقي يتمثل في القدرة على إدارة هذه المنافسة وتحويلها إلى تعاون منتج.
وأوضح أن المنافسة الراهنة، رغم دورها في تحفيز الاستثمار وتسريع الابتكار، فقد تفرز تحديات جديدة إذا افتقدت إلى أطر تعاونية منظمة، خاصة أن قضايا أمن الإمدادات في قطاع الطاقة، والسعي إلى الريادة في الذكاء الاصطناعي، تشكل تحديات عابرة للحدود لا تستطيع أي دولة مواجهتها منفردة، مشيراً إلى أن بناء الشراكات وتبادل المعرفة وتعزيز الثقة المتبادلة أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
شراكة بحثية ومعرفية
واستشهد النعيمي بالتعاون المتنامي بين دولة الإمارات وجمهورية ألمانيا، وما جسدته الزيارة الأخيرة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة «حفظه الله»، إلى برلين، من بحث لفرص استثمارية جديدة توظف نقاط القوة لدى الجانبين بما يحقق المنفعة المشتركة، مضيفاً أن الشراكة الفاعلة لا يجب حصرها في البعدين التجاري والاستثماري، بل ينبغي توسيعها لتشمل البحث العلمي والحوار المعرفي، وهو المجال الذي تضطلع فيه مراكز الفكر بدور محوري.
وبين أن مسؤولية المؤسسات البحثية تتجاوز رصد التحديات إلى دعم صناع القرار في فهمها واستشراف حلولها، من خلال الجمع بين الرؤى المتنوعة، والربط بين الأوساط البحثية والسياسية، وترجمة المعرفة إلى أفكار عملية، لافتاً إلى ضرورة تغيير زاوية النظر للقضايا الإستراتيجية، ففي ملف أمن الطاقة لا يكفي التساؤل عن حجم الموارد، بل عن آليات التعاون لجعلها أكثر استدامة وأماناً، وفي ملف الذكاء الاصطناعي لا يقتصر النقاش على تحديد الجهة الرائدة، بل على كيفية تعميم منافعه ليشمل أكبر عدد من الدول والمجتمعات.
وذكر أن مستقبل هذين القطاعين لن تحدده المنافسة وحدها، بل قدرة المجتمع الدولي على تأسيس شراكات تقوم على الثقة وتبادل الخبرات، فإذا كانت المنافسة محركاً للابتكار، فإن التعاون هو الضامن لاستدامة التقدم.