بسبب سياسات ترامب المُتَقلِبة :
أجهزةُ الاستخبارات الأوروبية تُقَلِلُ الاعتمادَ على نظيرتها الأمريكية لتعزيز سيادتها
حتى اندلاع «حرب الأيام الاثني عشر» في يونيو-حزيران 2025 بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، لم يكن لعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 20 يناير-كانون الثاني 2025 تأثير كبير على التعاون الاستخباراتي بين واشنطن وباريس. ظهرت أولى المؤشرات على ضرورة تكيف عالم الاستخبارات مع النظام عبر الأطلسي الجديد خلال الصيف. فقد أدركت المديرية العامة للأمن الخارجي جهاز المخابرات الفرنسي، حينها أن الحوار مع الوكالات الأمريكية بشأن القضية الإيرانية سيصبح محدودًا. ويروي دبلوماسي فرنسي على صلة بالمديرية العامة للأمن الخارجي: «أخبرهم محاوروهم أنهم لم يعودوا قادرين على تبادل المعلومات حول المنشآت النووية الإيرانية، لأن الرئيس ترامب صرّح بأنها دُمّرت بالكامل». إلا أن الإسرائيليين أنفسهم نفوا هذا الادعاء. يؤثر التذبذب في إدارة الرئيس الأمريكي، وعمليات التطهير داخل أجهزته الاستخباراتية، والتعيينات السياسية البحتة لأفراد عديمي الخبرة في مناصب قيادية ودنيا، على التعاون مع أجهزة الاستخبارات الغربية. يُعدّ هذا تطورًا نادرًا، إذ تُعتبر الاستخبارات، عمومًا، آخر معاقل الواقعية السياسية، وهي تصمد أمام الاضطرابات السياسية.
ونتيجةً لذلك، أطلقت فرنسا وشركاؤها الأوروبيون المقربون، منذ الصيف، مبادرات عديدة لتقليل الاعتماد على الاستخبارات الأمريكية وتعزيز سيادتهم. وقد عززت الشراكة الفرنسية الألمانية هذا التقارب خلال اجتماع عُقد في 28 أغسطس-آب 2025 في حصن بريغانسون، بين الرئيس إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرز.وفي اليوم التالي، في تولون، كُلّف مجلس الدفاع والأمن الفرنسي الألماني بتنفيذ التقدم المُحرز في مجال المراقبة الإلكترونية والعمليات المشتركة. وأخيرًا، قررت باريس دعم ثورة الاستخبارات الألمانية، وهو مجال لطالما افتقر في ألمانيا، لأسباب تاريخية، إلى أدوات مراقبة فعّالة، وظلّ يعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة.
بدأ التعاون التقني المكثف بين الولايات المتحدة وألمانيا بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة. حينها، كانت واشنطن توسع شبكة مراقبتها العالمية. ولتحقيق هذه الغاية، وقّعت وكالة الأمن القومي الأمريكية شراكات مع أقرب حلفائها، بما في ذلك ألمانيا. في أبريل 2004، تم افتتاح مركز تنصت جديد في مبنى ضخم بلا نوافذ داخل ثكنات مانغفال في باد آيبينغ، بافاريا، مخصص بشكل كبير لاعتراض حركة مرور الإنترنت. وقد وفرت الولايات المتحدة معظم الأجهزة والبرامج على نفقة دافعي الضرائب الألمان. وأوضح الألمان أن «منطق تبادل المعلومات الاستخباراتية وتجميع الموارد، لا سيما تلك المتعلقة بالمراقبة الإلكترونية والعمليات المشتركة، هو الأساس».
«لقد ظل المنطق الأمريكي ثابتًا منذ أواخر التسعينيات». أوضح آلان شويه، مدير الاستخبارات الأمنية في المديرية العامة للأمن الخارجي «DGSE» من عام 2000 إلى 2002، لصحيفة لوموند: «سواءً بوجود ترامب أو بدونه، فإن هذا الأمر يميل إلى إثارة الانقسام بين الأوروبيين، لا سيما بفضل موارده التقنية والمالية». وفي ألمانيا، ينصب التركيز على إعادة التسلح، بما في ذلك في مجال الاستخبارات. ففي خريف عام 2025، ثم في يناير من العام نفسه، زار فيليب وولف، منسق الاستخبارات الألماني والرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الفيدرالية الألمانية فرنسا عدة مرات للقاء مسؤولين فرنسيين، من بينهم نظيره باسكال مايلو، لفهم جهاز الاستخبارات الفرنسي. وهذا الالتزام الأوروبي ملموس. فقد وسّعت برلين وباريس، وكذلك لندن، بالإضافة إلى شركائها الخمسة عشر في تحالف الراغبين، الذي أُنشئ في مايو 2025 لدعم أوكرانيا ضد الغزو الروسي وحماية كييف من التحولات السياسية للولايات المتحدة، نطاق تعاونهم الاستخباراتي. في 24 أكتوبر-تشرين الأول 2025، أكد إيمانويل ماكرون أن أعضاء التحالف أنشأوا هياكل مصممة «لتبادل المعلومات الاستخباراتية ومراقبة الإجراءات المتخذة عن كثب». وعلى هامش اجتماع آخر لأعضاء التحالف في 6 يناير-كانون الثاني في باريس، صرّح مسؤول استخباراتي فرنسي لصحيفة لوموند بأن أجهزة الاستخبارات الأوروبية الرئيسية، بالإضافة إلى علاقاتها الثنائية مع أوكرانيا، تتبادل المعلومات الاستخباراتية العملياتية «لاستباق التحركات العسكرية الروسية، والتصدي للتهديدات الهجينة، وتعزيز الدفاعات الجوية». وبينما لا يُعد هذا التعاون الوثيق في الشؤون الاستخباراتية تكاملاً كاملاً، يبدو أن ميزان القوى في مجال الاستخبارات سيشهد تحولاً دائماً، «حتى بعد وقف إطلاق النار في أوكرانيا»، وفقاً لمصدر في وزارة الخارجية الفرنسية.
وأفضل دليل على ذلك، بحسب المصدر نفسه، هو أن «المخاوف البريطانية باتت حقيقية للغاية من أن جهاز استخباراتها، الذي يعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة، سيتحمل وطأة عواقب السلوك الأمريكي المتقلب».
لقد تعززت العلاقات الوثيقة أصلاً بين رؤساء أجهزة الاستخبارات البريطانية وشركائهم الأوروبيين الرئيسيين، ولا سيما الهولنديين والفرنسيين والبلجيكيين، بشكل أكبر في عام 2025. والآن، تتجه لندن نحو إقامة علاقات مؤسسية مع الاتحاد الأوروبي.
ففي 19 مايو-أيار 2025، وقّعت المملكة المتحدة اتفاقية شراكة أمنية ودفاعية مع الاتحاد الأوروبي، يتضمن أحد بنودها السرية بنداً خاصاً بالاستخبارات. وحذت كندا، وهي حليف وثيق آخر للولايات المتحدة، حذوها في 23 يونيو-حزيران 2025. ورغم أن التعاون الاستخباراتي العملياتي نادراً ما يتم في إطار متعدد الأطراف، إلا أن هذا القرار الكندي، وكذلك قرار لندن، يُعدّان مهمين لهذين العضوين في تحالف «العيون الخمس» الأنجلو-ساكسوني الحصري للغاية، والذي يضم أيضاً الولايات المتحدة.
تُقيم أستراليا ونيوزيلندا تبادلاً للمعلومات بين البلدين منذ الحرب العالمية الثانية، ما يُشير إلى مخاوف متزايدة بشأن الاستخبارات الأمريكية التي باتت غير قابلة للتنبؤ. ويُعدّ أحدث مؤشر على التحولات الجارية في عالم الاستخبارات الغربي هو السويد، التي لطالما كانت رائدة في مجال الاستخبارات التقنية، شأنها شأن ألمانيا. ففي ظل التهديدات الروسية والغموض الذي يكتنف علاقتها بالولايات المتحدة، أطلقت السويد إصلاحاً شاملاً لأجهزتها الاستخباراتية. وقد اضطلعت فرنسا بدور استشاري لستوكهولم، بقيادة كارل بيلدت، رئيس الوزراء السابق «1991-1994» ووزير الخارجية السابق «2006-2014». وقد زار السيد بيلدت باريس عدة مرات للقاء مسؤولين استخباراتيين فرنسيين. ورغم التغيرات التي تشهدها الاستخبارات الغربية، إلا أن الالتزام بـ»السيادة الوطنية» لم يتلاشَ، لا سيما في فرنسا. «إن التقارب بين الأجهزة الأوروبية حقيقي»، كما يُقرّ السيد شويه، «لكنه يبقى متفاوتاً تبعاً للمجال والمنطقة الجغرافية. ففي الشرق الأوسط، على سبيل المثال، يكتسب جهاز الاستخبارات الألماني نفوذاً ملحوظاً وسرياً في آنٍ واحد من خلال العمل باستقلالية، بينما فقد البريطانيون قيادتهم وبقوا معتمدين على الأمريكيين. أما الفرنسيون، فهم يفضلون موقفاً حصرياً مع نظام الإسلاميين».