ألمانيا «تخفق» في تنشيط اقتصادها رغم السيولة

ألمانيا «تخفق» في تنشيط اقتصادها رغم السيولة


لم تنجح حزمة التحفيز الألمانية، المقدّرة بنحو 584 مليار دولار، في إحداث الأثر الاقتصادي المنتظر، مع بقاء جزء كبير من الأموال خارج دورة الإنفاق الفعلي، ما حدّ من قدرتها على دعم النمو في أكبر اقتصاد أوروبي. وبحسب تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، فإن المشكلة لا ترتبط بحجم التمويل، إذ تملك ألمانيا السيولة الكافية لإنعاش اقتصادها، بل ببطء آليات التنفيذ التي تعوق تحويل المخصصات إلى مشاريع ملموسة على الأرض.
ويشير التقرير إلى أن الفجوة بين إقرار الحزمة وتفعيلها اتسعت خلال العام الماضي، في ظل تعقيدات إدارية تحدّ من تسريع الإنفاق. كما نقلت الصحيفة عن خبراء اقتصاديين أن الجهاز الإداري لم يواكب بعد حجم التوسع المالي، ما أدى إلى تراكم الاعتمادات دون استثمارها بكفاءة، وهو ما أضعف الدور التحفيزي للحزمة في مرحلة تتسم بحساسية اقتصادية مرتفعة. رغم الضغوط الاقتصادية، حافظت ألمانيا على مستوى عجز عند 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي، في مؤشر على استمرار الالتزام الصارم بالسياسات المالية المحافظة. وفي هذا السياق، لفتت وول ستريت جورنال إلى أن هذا النهج يعكس توجهًا هيكليًا يتجاوز الحكومات المتعاقبة، بحيث تميل السياسات الاقتصادية إلى تجنب التوسع في الدين حتى في فترات التباطؤ. كما أشار التقرير إلى أن هذا الحذر المالي يقيّد قدرة الحكومة على استخدام أدواتها المالية بشكل ديناميكي، رغم توفر هامش إنفاق يمكن أن يدعم النشاط الاقتصادي. وبذلك، تتحول الوفرة المالية إلى مورد غير مستغل بالكامل، ما يعكس مفارقة واضحة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المحققة. يأتي هذا التعثر في وقت يواجه فيه الاقتصاد الألماني تباطؤًا ممتدًا، إذ لم يسجل نموًا يُذكر منذ ما قبل جائحة كورونا، تحت ضغط تكاليف الطاقة المرتفعة وتراجع الطلب الخارجي. وفي هذا الإطار، أكدت وول ستريت جورنال أن ثقة الأعمال تراجعت إلى أدنى مستوياتها في ست سنوات، ما يعكس تزايد القلق لدى الشركات بشأن آفاق الاقتصاد.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه المؤشرات تعكس ضغوطًا أعمق على النموذج الاقتصادي القائم على التصدير والصناعة، في ظل منافسة متزايدة من الصين وتحولات في سلاسل الإمداد العالمية. كما أوضحت أن تأخر الإنفاق الاستثماري يضاعف من هذه الضغوط، بدلاً من أن يشكل أداة للتخفيف منها.

قيود تنظيمية تعرقل 
تنفيذ المشاريع الكبرى
تُظهر تفاصيل التنفيذ أن الإطار التنظيمي يشكل أحد أبرز العوائق، إذ تُلزم القوانين الجهات الحكومية بتقسيم المشاريع الكبرى إلى عقود صغيرة، ما يزيد من تعقيد الإجراءات ويطيل أمد التنفيذ. وفي تقريرها، أشارت وول ستريت جورنال إلى أن هذا النهج، رغم هدفه دعم الشركات الصغيرة، أصبح عاملًا معطلًا للمشاريع الحيوية.
كما أوضح التقرير أن تعدد مراحل الموافقة وإمكانية الطعن القانوني يضيفان طبقات إضافية من التأخير، ما يجعل تنفيذ المشاريع عملية طويلة ومعقدة. وفي المقابل، لفتت الصحيفة إلى أن ألمانيا تمكنت في حالات استثنائية من تسريع مشاريع مماثلة، ما يعزز الدعوات لإعادة النظر في القواعد الحالية.

إعادة توجيه الإنفاق تقلّص العائد الاستثماري
إلى جانب بطء التنفيذ، تبرز إشكالية تتعلق بطبيعة الإنفاق، إذ يتجه جزء كبير من الأموال نحو تغطية نفقات تشغيلية بدل الاستثمار في مشاريع إنتاجية. وفي هذا السياق، نقلت وول ستريت جورنال عن دراسات اقتصادية أن نسبة كبيرة من الحزمة لا تسهم مباشرة في رفع الإنتاجية.
وأضافت أن إعادة تصنيف بعض النفقات ضمن بند الاستثمار يثير تساؤلات حول جودة الإنفاق، وليس فقط حجمه، ما يحد من الأثر طويل الأجل للحزمة ويجعلها أقل قدرة على إحداث تحول اقتصادي حقيقي. وتعكس المشاريع المتأخرة حجم التحدي، إذ تتقدم دول أوروبية أخرى في تنفيذ مشاريع البنية التحتية بوتيرة أسرع، فيما تواجه ألمانيا تأخيرات ملحوظة. ووفق ما أوردته وول ستريت جورنال، فإن بعض البلديات لم تتلق التمويل المخصص لها رغم مرور وقت طويل على إقرار الحزمة.
كما بيّن التقرير أن المشكلة لم تعد في توفر الموارد، بل في آليات الوصول إليها، وهو ما يكشف خللاً في قنوات التوزيع والتنفيذ. ويؤدي ذلك إلى إضعاف موقع ألمانيا كمحرك رئيسي للنمو الأوروبي في ظل التحديات الحالية.

ضغوط متزايدة لإصلاح آليات الإنفاق
في ضوء هذه التطورات، يتصاعد النقاش داخل الأوساط السياسية والاقتصادية حول ضرورة إصلاح منظومة الإنفاق العام. وذكرت وول ستريت جورنال أن هناك توجهًا لإدخال تعديلات قانونية تهدف إلى تسريع تنفيذ المشاريع وتقليل العوائق الإجرائية.
وبحسب التقرير، فإن نجاح أي جهود تحفيزية مستقبلية سيعتمد على القدرة على تقليص الفجوة بين التخطيط والتنفيذ، وتحويل الموارد المالية إلى استثمارات فعلية. وفي المحصلة، لا تكمن الأزمة في نقص الأموال، بل في كيفية إدارتها، وهو ما سيحدد مسار الاقتصاد الألماني في المرحلة المقبلة.