البترا.. المدينة الوردية..إحدى عجائب الدنيا

5 أبريل 2015 المصدر : •• البترا – الأردن – د. شريف الباسل: تعليق 4931 مشاهدة طباعة
حينما تزور بلداً رائعا في كل شيء وتمر بتجربة مثيرة تعلق في ذهنك الى الأبد، فلا بد أنك ستتحول دون أن تدري ، إلى سفير متجول لهذا البلد في موطنك وفي ترحالك الى كافة بلدان العالم ، تروي ما شاهدته من روعة الطبيعة ، وعبق التاريخ، إضافة الى العديد من عوامل الجذب السياحي والتي تتنوع ما بين عوامل طبيعية وتاريخية وفنية وثقافية وترفيهية..  هذا ما حدث معي في زيارتي الى الأردن ضمن وفد صحفي من الأمارات منذ أيام.. وجدت نفسي في بلد يدهشك بجماله وسحره وتاريخه وفنادقه الفخمة ومناخه المعتدل وقبل كل شيء طيبة شعبه المضياف فهي أرض تعشق ضيوفها وتغمرهم بروح من الألفة تفتقدها في غيرها من البلدان. 
 
إذا كنت من عشاق السفر والسياحة ومن الباحثين عن مواقع التميز والتفرد فوجهتك الأفضل هي الأردن الذي يعد واحداً من أروع بلدان العالم وأكثرها سحراً ، والحياة فيه تناسب السياح القادمين من كافة بقاع الأرض .. كما أن اجوائه وثقافته ومستشفياته المتقدمة ومنتجعاته العلاجية وخدماته التي تفوق التوقعات والتطور المستمر للوجهات السياحية العائلية تجعله المكان المناسب للسائح الخليجي والأسر الخليجية حيث يجد فيه كل ما يستهويه للشعور بأنه ليس فقط في وطنه بل في بيته .
 
في هذه السطور سوف اروي لكم تجربتي المثيرة في مدينة فريدة تدهشك منذ الوهلة الأولى حين تجد قلبك وقد تعلق بجمالها وعينيك تتحركان في كل اتجاه لتستكشف مواطن السحر فيها ولسانك يقول كم هي رائعة هذه المدينة.. إنها “البترا” أكثر المواقع الأثرية عراقة وجذبا للزوار في الأردن وإحدى أهم عجائب الدنيا.
 
البترا ، جمال ورهبة 
تبقى مدينة البترا واحدة من أجمل ما جادت به قريحة البشر بصخورها التي دبت فيها الحياة، وتحولت على مدى العصور إلى إبداع خالد يوحي باستنطاق الحجر وكشف أسرار حضارة عريقة.وتقع البترا في منطقة جبلية فريدة من نوعها حيث ملتقى الصحراء العربية بشبه جزيرة سيناء والصحراء الافريقية وجنوب البحر الأبيض المتوسط.. ويطلق على البترا المدينة الوردية نظراً لجيولوجية الارض الغريبة من حيث طبقات الصخور وألوانها الطبيعية ومنها تلال الصخور وردية اللون.
 
حين تدخل المدينة لا تحتاج سوى لإطلاق العنان لمخيلتك ..فهي قادرة على إثراء ناظريك وروحك على مدى الرؤية فالطريق الى وجهتك التي لا تعرفها بعد تنبئك بالسحر الكامن بعده. 
في رحلة عبر الزمن ترسخ في الذاكرة طوال العمر، يمر السائح عبر السيق ذلك الشق الصخري الرهيب الذي يبلغ طوله أكثر من 1.2 كيلومتر، ومحصور بين صخور يبلغ ارتفاعها حوالي مائة متر ويستمر بك الطريق الى أن يأخذك الى حيث لا تتوقع ففي البداية يضيق وتبدو الصخور وكأنها ستطبق عليك, وفجأة يتسع الممر ليفصح لك عن احد اهم أسراره, هذا الصرح المدهش الذي يطلق عليه الخزنة.. منظر فني مثير لا يمكن وصفه فمهما كتب عنه لن يغنيك عن رؤيته بعينيك.
 
كل لحظة سترى فيها جديد يدهشك وكلما مشيت تكتشف مئات المباني والواجهات المنحوتة والأضرحة والحمامات والرسومات الصخرية والصور البارزة المنتشرة في كل مكان ويمكنك مشاهدة مسرحا كبيرا يتسع لحوالي 700 شخص من أيام السيد المسيح ودير ضخم من القرن الميلادي الأول كان يعتقد أنه معبد لهارون شقيق سيدنا موسى عليه السلام والذي يقع على قمة جبل هارون.
 
الأنباط ينحتون عاصمتهم في الصخر
نحت العرب الأنباط عاصمتهم البترا في الصخور الجبلية الشاهقة وجعلوا منها موقعاً إستراتيجياً هاماً شكل صلة وصل ونقطة تلاق بين شبه الجزيرة العربية جنوباً وبلاد الشام شمالاً إلى قلب أوروبا وحتى الصين على طريق تجارة الحرير والتوابل.
 
البعض يقول انها صممت لتكون قبراً لواحد من أهم ملوك الأنباط ولكن الأكيد أنها شيدت لتكون شاهداً على عظمة المكان ولتنطق بعبقرية الإنسان الذي نحت هذه المدينة في الصخر وقدرته الهندسية الدقيقة والمبدعة في ذلك العصر. ولتكون تحفة فنية نادرة تشهد على عظمة وحضارة من نحتوها وأبدعوا انجازها.
 
لم يتضح حتى الآن أصول الأنباط غير أنهم كانوا في الأصل قبيلة عربية من البدو الرحل قدموا من شمال الجزيرة العربية, وكانوا ذوو نفوذا كبيرا في الشرق الادنى بعد الإسكندر الأكبر وكانوا تجارا بارعين حققوا ثروة ضخمة من تجارتهم وابتكروا أنظمة وشبكات للمياه مكنتهم من التكيف مع الظروف البيئية الصعبة وفرض السيطرة على المناطق الصحراوية التي يجولون فيها بما في ذلك منطقة البترا حيث استقر بهم المقام.
 
وعندما بدأ الأنباط بتشييد مدينتهم أسموها رقيم أو رقيمو وذاع صيتها وعندما ضم الرومان البترا إليهم أسموها أريبيا بترا أي بلاد العرب الصخرية والبترا كلمة يونانية تعني الصخر.
واشتهرت البترا كإحدى اهم المدن الاقتصادية والتجارية فقد كان التجار يأتون إليها من كافة انحاء العالم محملين بقوافل من التوابل والبهارات ويقومون ببيعها في سوق المدينة.
 
أقدم تجمعات بشرية بالعالم في العصور الحجرية
عاشت في البترا أقدم التجمعات البشرية في العالم وحتى الآن فإن أقدم بقايا من صنع البشر وجدت في البترا وهي عبارة عن فأس حجرية تعود الى العصر الحجري القديم أي الى نحو سبعين ألف سنة مضت.
 
ولا توجد أدلة على نشاط بشري في منطقة البترا خلال العصر البرونزي (3300-1200 قبل الميلاد).. أما العصر الحديدي (1200 - 539 قبل الميلاد) فقد شهد نشاطا ملحوظا حيث يعتقد أو الأدوميين قد أنشأوا مملكتهم هنا وتم استيطان هضبة أم البيارة الصخرية الكبيرة خلال حقبة الأدوميين وعثر فيها على ختم من الطين يحمل شعار الملك الأدومي قوس جبر وهو الختم الوحيد لملك أدومي.
 
هجرة الانباط
وعقب سقوط مملكة أدوم بفترة وجيزة بدأ وجود الأنباط في المنطقة يتجلى بوضوح حيث باشروا ببناء مملكتهم التي أصبحت واحدة من أقوى الممالك في المنطقة وكان أول ذكر للأنباط في منتصف القرن السابع قبل الميلاد عندما تم إدراجهم ضمن قائمة أعداء الملك الأشوري.. وفشلت حملة أحد جنرالات الاسكندر الأكبر في احتلال المناطق التي يسيطر عليها الأنباط مما يؤكد قوتهم وسعيهم لإستقرار المنطقة منذ القرن السادي قبل الميلاد بعد سقوط مملكة الأدوميين.وبعد ذلك وعلى مر القرون بدأ ازدهار الأنباط نظرا لموقعهم الاستراتيجي وبراعتهم في التجارة وبلغت البترا الذروة بين القرنين الأول قبل الميلاد والأول بعد الميلاد كمدينة تجارية حديثة.
 
ضم مملكة الأنباط إلى الامبراطورية الرومانية
في عام 106 ميلادي ضمت مملكة الأنباط إلى الامبراطورية الرومانية حيث توفي آخر ملوك الأنباط الملك رابيل الثاني وبعد ضمها أصبحت تعرف بإقليم آريبيا بترا أي البترا العربية واستمرت المدينة بالازدهار لقرنين آخرين حيث كانت محطة توقف للقوافل التجارية.
 
واعتمد تخطيط المدينة على النمط الروماني وشيد شارع الأعمدة الروماني وقبر الجندي الروماني وقبر الحاكم الروماني سيكستيوس فلورنتيوس.. وأعلنت الديانة المسيحية كديانة رسمية للامبراطورية الرومانية عام 324 ميلادية وانفصلت المقاطعات الشرقية من الامبراطورية الرومانية فأضحت البترا جزءا من الامبراطورية البيزنطية.
 
وتعرضت المنطقة لزلزالين كبيرين اخرهما كان عام 363 ميلادية ادى الى انهيار مباني كانت قائمة مثل قصر البنت والمعبد الكبير كما تضررت شبكة المياه التي كانت تشكل عنصراً أساسيا في ثراء وازدهار المدينة ورغم ذلك استمر الوجود البيزنطي في البترا خلال القرن السادس إلى أن ضرب زلزال ثالث المدينة عام 551 ميلادي وتسبب في دمار هائل تم بعده نقل كرسي الأسقفية الى الكرك وبدأت المدينة في التراجع والاضمحلال. 
 
البترا تحت حكم الأمويين والعباسيين
أصبحت البترا خلال الفتح الاسلامي في القرن السابع جزءا من الخلافة الاسلامية رغم استمرار المسيحية في المدينة .. واستعادت البترا بعضا من أهميتها حيث كانت المنطقة مأهولة لوجود مصادر المياه فيها بما في ذلك ينابيع وادي موسى وموقعها التجاري الاستراتيجي.
 
وكانت البترا مع وجود العاصمة الأموية في دمشق تقع بالقرب من طريق الحج الى مكة المكرمة..واستمر الناس في العيش المناطق المجاورة وتم العثور على العديد من النقوش التي تعود إلى الفترة الاسلامية الأولى مكتوبة بالخط الكوفي وكانت معظم هذه النقوش أسماء لمواطنين.. وعندما تولت الخلافة العباسية الحكم في القرن الثامن وانتقلت عاصمتها الى بغداد تضاءلت مرة اخرى أهمية البترا.
 
البترا إبان الحقبة الصليبية
استعادت البترا أهميتها مجددا بعد بدء حملات الفرنجة في القرن الحادي عشر والتي هدفت الى تأمين منافذ وصول من أوروبا إلى القدس والأراضي المسيحية المقدسة وسيطر الفرنجة على المدينة بسبب موقعها الاستراتيجي وإمكان استغلالها لإعاقة الحركة على طرق الحج الاسلامية التي كانت تربط مصر ودمشق بالحجاز.. واتخذ الفرنجة مدينة البترا القديمة  قاعدة لهم وانشأوا فيها حصنين لحماية أنفسهم أحدهما في أعالي جبل الحبيس الذي يطل على وسط البترا والآخر هو حصن الوعيرة الى الشرق من المدينة.. وبنوا أيضا حصنا في الشوبك القريبة تمكنوا من خلاله من السيطرة على المنطقة برمتها بما في ذلك الطرق التي تربط دمشق ومصر بالحجاز.
 
صلاح الدين يطرد الفرنجة 
ثم جاءت حملة صلاح الدين الأيوبي لطرد الفرنجة من المنطقة ووقف أهالي أبو موسى الى جانب صلاح الدين فقام الفرنجة بمعاقبتهم بحرق مخزونهم من الزيتون وزجهم في قلعة الوعيرة.. وانتصر صلاح الدين في نهاية الأمر وغادر الصليبيون مخلفين ورائهم بقايا صغيرة من التجمعات السكانية المحلية. 
 
السلطان بيبرس يزور البترا
وفي عام 1376 وأثناء توجه السلطان المملوكي بيبرس من القاهرة إلى الكرك لإخماد تمرد فيها قام في طريقه بزيارة البترا وتشير احدى المخطوطات الموجودة الان في المكتبة الوطنية الفرنسية في باريس الى اعجابه بما شاهده من معالم ونصب أثرية في المدينة الى جانب مقام النبي هارون وقلعة الحبيس ووادي موسى وكان ذلك اخر سجل عن البترا حتى إعادة اكتشافها من قبل الغربيين في القرن التاسع عشر.. وبقيت المدينة معروفة لدى أهل المنطقة من العرب الذين استمروا في العيش بالمنطقة ووادي موسى موارينها عن أعين الغرباء.
 
اعادة الاكتشاف
بينما كان المستكشف السويسري يوهان بيركهارت يقوم برحلة في المنطقة وهو في طريقه من سوريا الى القاهرة عام 1812 سمع من سكان محليين عن مدينة قديمة خلابة وعلى الرغم من أنهم كانوا يتعمدون إخفاء موقعها عن الغرباء فقد تمكن بيركهارت من إقناع أهالي المناطق القريبة من البترا بأنه مسلم يعتزم الحج إلى ضريح النبي هارون وتقديم أضحية عند المقام وتمكن من استئجار دليل محلي ليأخذه الى المقام عبر المدينة القديمة.. وهكذا كان أول غربي يرى البترا منذ طمسها قبل عدة قرون.
وعندما غادر المنطقة رسم بيركهارت ما شاهده وتم نشر أنباء عن مشاهداته بإهتمام كبير في أوروبا وخارجها وسرعان ما حذا حذوه مستكشفون آخرون.. وأشعل إعادة الإكتشاف الرغبة لدى المسافرين من كافة انحاء العالم بالتوجه اليها ومازالوا يتدفقون إليها من كل بقاع الأرض لمشاهدة هذا الإرث العظيم للأنباط القدامى.
 
اهتمام العرب بالبترا
كانت أول حملة استكشاف رسمية للبترا لفريق من الباحثين البريطانيين عام 1818 حيث وثقوا بتفصيل دقيق ورسومات متقنة الآثار الرئيسية في الموقع. وفي 1827 زار الفنانان ليون دي لابورد ولينانت دي بيلفوند البترا ورسما العديد من التماثيل والنصب وكانا أول غربيين يصلان إلى الدير. وفي عام 1836 زار أول أمريكي البترا وهو جون لويد ستيفنز.. كما كانت شارلوت رولي أول إمرأة تزور البترا وقضت شهر العسل مع زوجها رتشارد ما بين عامي 1835 و1836 وكان يرافقهما شقيق شارلوت وليم شبلي كونواي وصديق يدعى سيمر وحفر الفريق أسمائهم مقرونة بالتاريخ وهو عام 1836 على جدار الخزنة.
 
زار البترا أيضا الرسام البريطاني الشهير ديفيد روبرتس 1839 ورسم لوحات بالألوان المائية تشكل مسحاً بصرياً شاملاً لآثار البترا  إضافة إلى لوحات لبدو المنطقة.. ولا يزال تدفق خبراء الآثار مستمراً لاستكشاف المزيد عن حضارة الأنباط ومدينتهم الجميلة. 
 
زيارة واحدة للأردن لا تكفي
قد لا تجد كلمات تصف بها زيارتك للأردن فمناظرها الطبيعية رائعة، وشعبها أكثر روعة، هي بالفعل بلد تروج لنفسها بنفسها وبسكانها دون أي عناء، فحضارتها تضعها في مقدمة الدول التي قدمت للبشرية اسهاماتها واكتشافاتها وحجزت لها موقعا مهما على خارطة السياحة العالمية لما تزخر به من معالم الدهشة ورائحة التاريخ وأصالة البشر والحجر.. الأردن هذا البلد الجميل ما أن تغادره حتى تبدأ التفكير في زيارته من جديد حيث فيه من السحر والجاذبية والجمال ما يؤهبك للعودة إليه باستمرار والاستمتاع بروعة ما يختزنه من روائع قل مثيلها في العالم كله. 
 
 

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اضف تعليق

 تعالوا نقرأ فى كتاب الكون
  24 يونيو 2017        62 تعليق      12394 مشاهده
الإمارات تدعم مطار عدن بأجهزة ومولدات كهربائية
  8 أغسطس 2019        18 تعليق      3257 مشاهده
نور العقل ونور القلب يتجاذبان
  27 مايو 2017        8 تعليق      13552 مشاهده
القرب من أولياء الله والبعد عن أولياء الشيطان
  21 يونيو 2017        5 تعليق      11858 مشاهده
محمد بن راشد يستعرض مع أمير قطر العلاقات الأخوية بين البلدين
 30 أكتوبر 2013        تعليق      71931 مشاهده
كيف تعرفين إذا كان زوجك يحبك أم لا؟
 19 يناير 2014        تعليق      64933 مشاهده
شركات تبيع الوهم باسم الـ تايم شير
 25 ديسمبر 2012        تعليق      43009 مشاهده
دخول تركيا إلى سوريا عقد الأزمة.. أمريكا تتورط أكثر
 31 أغسطس 2016        تعليق      42033 مشاهده

موضوعات تهمك