تأمل عميق في الكيفية التي تستعمر بها السلطة الاستبدادية الحياة اليومية

"العميل السري"... عندما تتحول السينما لأداة للعدالة التاريخية

قلما استطاع مخرج معاصر أن يرسم اللاوعي السياسي لمجتمع، بكثافة شكلية وذكاء عاطفي كما يفعل المخرج البرازيلي كليبير مندونسا فيلو في "العميل السري". العمل ليس مجرد فيلم إثارة سياسي، بل تأمل عميق في الكيفية التي تستعمر بها السلطة الاستبدادية الحياة اليومية، وكيف تصمد الذاكرة في وجه القمع، وكيف يمكن للسينما نفسها أن تتحول أداة للعدالة التاريخية.

حصل الفيلم أخيراً على جائزة "غولدن غلوب" لأفضل فيلم غير ناطق بالإنجليزية، وحصل الممثل فاغنر مورا على جائزة "غولدن غلوب" لأفضل ممثل في فيلم درامي، وجائزة أفضل ممثل في مهرجان كان السينمائي 2025، كذلك فاز فيلو بجائزة أفضل مخرج من المهرجان ذاته.
امتدت الديكتاتورية العسكرية في البرازيل من عام 1964 إلى 1985، واتسمت بالرقابة الممنهجة، والتعذيب، والإخفاء القسري، وتركيز الثروة في شبكات نخبوية متحالفة مع النظام.
 وتدور أحداث الفيلم عام 1977، في ذروة الحكم العسكري، لا يعيد فيلو بناء هذه المرحلة عبر خطاب مباشر، بل عبر أثرها النفسي، الخوف الدائم من المراقبة، واللغة المشفرة، والعنف العرضي، وتطبيع القتل خارج القانون .
ما يميز الفيلم عن كثير من أعمال القمع السياسي ليس واقعيته فحسب، بل التزامه الوجودي الحياة العادية، لا يقدم المخرج السلطة من خلال قصور الحكم أو خطابات الجنرالات، بل من خلال محطات الوقود، ودور السينما، ومكاتب الهويات، والممرات،
 وغرف النوم، والشوارع المكتظة.
السلطة هنا ليست مركزية، بل محيطة، لذا يكون الفيلم أقل كفيلم تشويق وأكثر كخريطة للخوف، وتشريح لكيفية تسرب العنف إلى المؤسسات والعادات والعلاقات الاجتماعية، وكيف يتعلم الناس، لا بشكل بطولي بل تكتيكي، أن يعيشوا داخله.
القصة
يتابع الفيلم مارسيلو، أكاديمي سابق وأب أرمل، يؤديه فاغنر مورا بأداء بالغ الانضباط والسكون، يعود إلى مسقط رأسه ريسيفي في ظروف تبقى غامضة عمداً فترة طويلة.
منذ المشهد الافتتاحي في محطة وقود، حيث يتجاهل رجال الشرطة جثة متحللة ويركزون بدلاً من ذلك على تفتيش سيارته وابتزازه مالياً، يضع الفيلم قواعد عالمه الأخلاقي، عالم تبدلت فيه مواقع الجريمة والقانون، والموت والبيروقراطية.
يلجأ مارسيلو إلى بيت آمن تديره دونا سيباستيانا، امرأة سبعينية وناشطة سياسية تؤوي الهاربين تحت ستار الجيرة والضيافة، داخل هذا البيت، الذي يشكل أحد الرموز المركزية للفيلم، تتقاطع السير الشخصية بالسير السياسية، منتجة أرشيفاً جماعياً للبقاء.
في الوقت ذاته يحاول مارسيلو الحفاظ على مظهر الحياة الطبيعية عبر علاقته بابنه الصغير فرناندو، بينما يطارده شبح مواجهة سابقة مع وزير نافذ جعلت منه هدفاً مشروعاً للقتل.
فيما يقود رئيس الشرطة إقليدس عمليات قتل خارج إطار القانون، متعاوناً مع قتلة مأجورين، بينما يحافظ على واجهة بيروقراطية للدولة، ويشارك في احتفالات الكرنفال بسهولة مقلقة.

سلطة بلا دراما
أحد أكثر إنجازات العمل جذرية هو رفضه الميلودراما، لا توجد مواجهات كبرى، ولا خطابات ضد الطغيان، ولا لحظات تطهير أخلاقي، بدلاً من ذلك يبني مندونسا فيلو سينما للرعب الإجرائي، حين تتجلى السلطة عبر الصمت، والأوراق الرسمية، والمراقبة، والتأجيل، والمصادفة، والطقوس الاجتماعية، الخطر ليس حدثاً استثنائياً، بل حال مستمرة، لا يعلن عنها، بل يفترض وجودها.
لا يقدم خطر مارسيلو بوصفه حالاً فردية، بل بوصفه عقدة ضمن شبكة أوسع من الاختفاءات والخيانة والتواطؤ والمقاومة الصامتة، بهذا المعنى ينتمي الفيلم إلى ما يسميه منظرو السياسة "العنف البنيوي"، أي الضرر الذي يطبع عبر المؤسسات والترتيبات الاجتماعية لا عبر الوحشية الظاهرة.
الأهم أن الفيلم لا يجمل المعاناة، بل يجمل الصمود، مقاومة مارسيلو ليست أيديولوجية تقليدية، هو ليس مناضلاً منظماً، ولا عضواً في حركة سرية واضحة، مقاومته تتخذ شكل الحفاظ على الذاكرة، والرعاية، والاستمرار في العلاقات الإنسانية، والإصرار على الوجود بوصفه أباً وحبيباً ومواطناً، في عالم صمم خصيصاً لمحو هذه الهويات.
 شكلياً، يقاوم الفيلم الكفاءة السردية، تمتد المشاهد، تتباطأ الحوارات، يحجب جزء من المعلومات، ويتوزع المعنى عبر الزمن، هذه الاستراتيجية ليست ترفاً جمالياً، بل تعكس التجربة المعيشة للاستبداد، حيث اللايقين، والتأجيل، والمعرفة الجزئية تشكل بنية الحياة اليومية.
وأحد أكثر المشاهد لفتاً للانتباه تتبع رحلة برقية يرسلها مارسيلو إلى داعم له، تلاحق الكاميرا البرقية عبر مراحل بيروقراطية عدة، كل موظف يؤدي دوره بآلية باردة، المشهد مضحك ومرعب في آن.
يكشف كيف تعمل المراقبة لا عبر العنف المباشر، بل عبر الأنظمة اليومية، وكيف تتحول بنية التواصل نفسها أداة للضبط، وصول البرقية مفتوحة إلى المرسل إليه يكمل المشهد بوصفه نموذجاً مصغراً لمنطق الفيلم السياسي بأكمله.
في المقابل يتحول جهاز تسجيل الكاسيت الذي يستخدمه مارسيلو لحفظ شهادته إلى الرمز المركزي للفيلم، قطعة تقنية وأداة أخلاقية في الوقت ذاته، في نظام يتحكم في الأرشيف الرسمي، يصبح الكاسيت أرشيفاً بديلاً، هشاً لكنه مقاوم، يمنحه مندونسا فيليو قوة رمزية كثيفة، ويحول التسجيل إلى فعل مقاومة.
القفزة الزمنية النهائية التي تعيد تفعيل الأصوات المسكوت عنها تشكل واحدة من أكثر اللحظات السياسية جرأة وهدوءاً في السينما المعاصرة، وتؤكد أن الذاكرة، متى سجلت، لا يمكن إبادتها، بل فقط تأجيلها.

الساق والقرش
تعد صورة الساق المبتورة التي وجدت في بطن سمكة قرش من أكثر عناصر الفيلم إثارة للجدل وسوء الفهم، غير أن تكرارها يحولها إلى جهاز استعاري مركزي، القرش، غير المرئي حتى يظهر فجأة، يعكس النظام نفسه، قوة مفترسة تعمل تحت سطح الحياة العامة، أما الساق، المبتورة والمنزاحة، فترمز إلى الضحايا الذين تجزأ أجسادهم وتمحى وتعاد توزيعها في المخيال الاجتماعي عبر الإشاعات والاستعراض والإنكار.تحويل الصحافة للساق أسطورة حضرية يعكس كيفية استيعاب المجتمعات العنف السياسي عبر تحويله إلى فولكلور ونكتة وخرافة، بما يخفف من حدته الأخلاقية، لا يتعامل مندونسا فيلو مع هذه الحبكة كواقعية حرفية، بل كواقعية رمزية تنتمي إلى تقاليد الغرائبي في أميركا اللاتينية، حيث تصبح الاستعارة وسيلة لقول الحقيقة السياسية حين تعجز الواقعية التقليدية عن ذلك، ما يقطع لا يختفي، وما يسكت يعود في شكل آخر.

ريسيفي بوصفها جغرافيا سياسية
مدينة ريسيفي ليست مجرد خلفية للأحداث، بل شخصية قائمة بذاتها وأرشيفاً مكانياً لتناقضات البرازيل السياسية، تتوقف الكاميرا عند شوارعها، ودور سينماها، ومكاتبها، وشواطئها، وعماراتها، لترسم خريطة للحياة اليومية تحت الديكتاتورية.
الفضاءات العامة تصبح في الوقت نفسه مواقع للمتعة والخطر، دار السينما التي يعمل فيها عم مارسيلو هي ملاذ جماعي ووسيط ثقافي، بينما مكتب الهويات يجسد في آن الروتين الإداري ومحو الهوية.
 الكرنفال يؤدي دوراً مفارقاً، فهو ليس انفراجاً عن القمع السياسي، بل حال مرافقة له، الفرح والرعب يتعايشان لا بوصفهما نقيضين، بل كواقعين متداخلين، يرفض الفيلم اختزال الكرنفال إلى مقاومة خالصة أو إلهاء فارغ، ويقدمه بدلاً من ذلك كطقس اجتماعي معقد، صورة من صور الجماعة الجسدية يستمر حتى بينما تمحى أجساد في أماكن أخرى، هذا التزامن يؤكد أطروحة الفيلم الأساسية، أن الحياة تحت الاستبداد لا تتوقف، بل يعاد تشكيلها.

المخرج
يعد مندونسا فيلو أحد أبرز المخرجين والمؤلفين السينمائيين في البرازيل المعاصرة، كثيراً ما اشتغلت أعماله على السلطة والطبقة والذاكرة والفضاء في المجتمع، تناول "أصوات الجيران" (Neighboring Sounds- 2012) الإرث الاستعماري والتراتبية الطبقية عبر المشهد الصوتي للضواحي.
وناقش "أكواريوس" ((Aquarius- 2016 الصراع الجيلي والتمدد العقاري من خلال امرأة ترفض بيع شقتها، أما "باكورا" (Bacurau- 2019) فمزج السينما النوعية بالاستعارة السياسية، وفي "صور الأشباح" (Pictures of Ghosts- 2023) عاد إلى ذاته، مشيداً تاريخاً شخصياً للسينما بوصفها فعلاً سياسياً.
في فيلمه "العميل السري" يجمع المخرج البرازيلي (مواليد 1968) كل القضايا التي اشتغل عليها سابقاً، لكنه ينتقل هذه المرة من نقد الواقع المعاصر إلى العودة المباشرة إلى زمن الديكتاتورية.
إنه أول فيلم له تدور أحداثه صراحة في تلك المرحلة، حيث لا يكتفي بوصف السلطة كما نعيش آثارها اليوم، بل يحاول تفكيك جذورها التاريخية، ومع ذلك لا يتعامل مع الماضي بوصفه ذكرى جميلة أو درساً تعليمياً مباشراً، بل يقدمه كزمن حي ومضطرب، مليء بالشقوق العاطفية، ولا يزال غير مكتمل وغير محسوم.
يتقاطع أسلوبه مع تقاليد السينما السياسية الحديثة، لا من خلال التجريب الشكلي، بل عبر طريقة سرد تحترم التعقيد الأخلاقي، فهو يرفض النهايات المغلقة، ويقاوم التفسيرات السهلة، ويمنح أولوية لتجربة الناس اليومية بدلاً من الشعارات أو الحلول الجاهزة. وبهذا يجعل السينما مساحة للتساؤل الأخلاقي، لا مجرد وسيلة لإلقاء خطاب سياسي.

فاغنر مورا
أداء مورا (1976) مبني على الإيماءات الدقيقة، والانضباط الجسدي، وإدارة الصمت. ينقل الخوف من دون هلع، والحزن من دون ميلودراما، والنزاهة من دون خطابة، هذا الاقتصاد في التعبير أساس للإطار الأخلاقي للفيلم، مقاومة مارسيلو ليست صاخبة ولا بطولية ولا حتى استراتيجية، إنها أخلاقية بإصرارها، يرفض التواطؤ، يرفض الاختفاء، ويرفض التخلي عن الذاكرة، حتى حين يهدد ذلك حياته.
مارسيلو لا يعمل وفق برنامج ثوري، بل وفق حدس أخلاقي يرفض التكيف مع الظلم، حتى حين تبدو المقاومة بلا جدوى، ويعيد الأداء تعريف الذكورة في السينما السياسية، مارسيلو ليس رجل فعل، ولا قائداً، ولا محارباً.هو أب، أرمل، موظف، حبيب، شاهد، هشاشته ليست ضعفاً، بل مركز الفيلم الأخلاقي، من خلال مورا، يعيد مندونسا فيلو تعريف الفاعلية السياسية بوصفها هادئة ومثابرة، لا استعراضية ولا بطولية.
"العميل السري" ليس فقط واحداً من أهم الأفلام السياسية في الأعوام الأخيرة، بل من أكثرها طموحاً أخلاقياً، لا يطلب من المشاهد الإعجاب بالمقاومة ولا إدانة الطغيان بصورة مجردة، بل يطلب انتباهاً أخلاقياً، وصبراً، واستعداداً للعيش في اللايقين، ورغبة في الإصغاء إلى أصوات أسكتت سابقاً.
يرفض الفيلم التطهير والحل والإغلاق، لا يقدم عدالة، بل يمارس الذاكرة، في عالم تعتمد فيه الأنظمة الاستبدادية ليس فقط على العنف بل على النسيان، تتحول السينما هنا إلى فعل مضاد للنسيان، وإلى أرشيف للمشاعر والإيماءات والصمت والعلاقات التي لا تستطيع كتب التاريخ احتواءها.في النهاية، يجادل "العميل السري" بأن المقاومة لا تتخذ دائماً شكل الثورة، أحياناً تتخذ شكل البقاء، والشهادة، والرعاية، والذاكرة، وأحياناً تتخذ شكل الاستمرار في العيش، والحب، والتسجيل، في عالم صمم ليجعل مثل هذه الأفعال مستحيلة، بهذا المعنى لا يكتفي الفيلم بتصوير المقاومة السياسية، بل يمارسها.