بين خَوفها من غَضَب ترامب و اتهامِها بالحَذَر المُفرِط :

المفوضيةُ الأوروبيةُ تسعى لمكافحةِ التضليلِ الإعلامي لمِنصة إيلون ماسك


وضع بيدرو سانشيز بروكسل في موقف حرج. فقد أعلن رئيس الوزراء الإسباني نيته حظر وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون سن السادسة عشرة، والأهم من ذلك، محاسبة رؤساء المنصات الرقمية على أي انتهاكات للقانون الإسباني. وسارع إيلون ماسك، رئيس شبكة التواصل الاجتماعي X، إلى وصف الاشتراكي المقيم في مدريد بأنه «فاشي شمولي حقيقي».من جانبها، تتستر المفوضية الأوروبية وراء تشريعها الخاص بالخدمات الرقمية، قانون الخدمات الرقمية وتؤكد مجدداً على أن هذا القانون يجب أن يبقى المرجع الأساسي للتشريعات الرقمية في أوروبا، وهو شرط مطلق لا يجوز للدول الأعضاء الالتفاف عليه. 

ويعترف توماس رينييه، المتحدث باسم المفوضية الأوروبية والمتخصص في الشؤون الرقمية: «هل يمكننا محاسبة رؤساء هذه المنصات؟ هذا نقاش يدور بيننا هنا منذ سنوات، سواء داخل المفوضية الأوروبية أو بين الدول الأعضاء».لكنه يرى أنه من المهم عدم «التعدي على اختصاصات قانون الاختصاصات الرقمية». 
لا يُمثل إدخال «أغلبية رقمية» في الدول الأعضاء مشكلة من وجهة نظر بروكسل، إذ لا يوجد تشريع أوروبي مُلزم في هذا الشأن. وقد خطت فرنسا خطوةً في هذا الاتجاه: فقد اعتمدت الجمعية الوطنية حظر وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون سن 15 عامًا في قراءتها الأولى في نهاية يناير-كانون الثاني. وفي البرتغال، يُناقش مشروع قانون مماثل. كما تُجري النمسا والدنمارك دراسةً بشأنه. إلا أن خطط إسبانيا لضمان اعتبار «التلاعب بالمحتوى غير القانوني وتضخيمه خوارزميًا» «جرائم جنائية» تُثير مزيدًا من القلق في بروكسل. فإذا ما تحولت هذه المقترحات إلى مشاريع قوانين رسمية، فإنها تُخاطر برفضها من قِبل المفوضية بعد إجراءات المخالفة. ووفقًا لتوماس رينييه، يُمثل هذا تحديًا لعمالقة التكنولوجيا الرقمية.  و بحسب توماس رينييه، في مواجهة عمالقة التكنولوجيا الرقمية، ودفاعًا عن الديمقراطية الأوروبية، أمام الاتحاد الأوروبي خياران: «معاقبة هذه المنصات بشدة، مع ما يترتب على ذلك من عواقب»، أو إعطاء الأولوية «للحوار». في الوقت الراهن، اختارت المفوضية الخيار الثاني: «إذا تسرعنا في معاقبة هذه المنصات، ستتوقف عن التعاون، وهذا سيضر بالمواطنين»، كما أضاف المتحدث الرسمي. «الحوار» لا يتعارض مع الحزم. ففي ديسمبر-كانون الأول 2025، فرضت المفوضية غرامة قدرها 120 مليون يورو على منصة X لافتقارها إلى الشفافية، وهي أول عقوبة تُفرض بموجب قانون الخدمات الرقمية. 
كما تحقق المفوضية في مزاعم التلاعب الخوارزمي ضد المنصة، والتي يُفترض أنها تهدف إلى دعم اليمين المتطرف في أوروبا. إلا أن هذا النهج الأوروبي يعكس مخاوف العديد من العواصم من إثارة غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فالعديد من الدول الأعضاء تعتمد على الولايات المتحدة في أمنها أو توازنها التجاري، وتفضل تجنب الصدام. أما دول أخرى، بقيادة أحزاب يمينية قومية، مثل المجر، فتتبنى علنًا الرؤية الأمريكية لحرية التعبير التي تُروج لها عبر المحيط الأطلسي. ولذلك، تقول ستيفاني يون-كورتان، عضوة البرلمان الأوروبي (تجديد أوروبا): «ليس من المستغرب أن ترغب بعض الدول في المضي قدمًا بمفردها. لكن العمل على المستوى الأوروبي أكثر فعالية. فالعمل بشكل منفرد يرسل إشارة خطأ إلى المنصات وبقية العالم، لا سيما وأن الديمقراطية الأوروبية أصبحت ساحة معركة رقمية». وقد طُرح «الدرع الديمقراطي» في نوفمبر الماضي.  
تسعى المفوضية الأوروبية جاهدةً لمكافحة التضليل الإعلامي والتلاعب بالمعلومات والتدخل الأجنبي. لكنها تُتهم هنا أيضًا بالحذر المفرط. يقول ديفيد كولون، المحاضر والباحث في معهد العلوم السياسية  «ما يُرجّح أن يُضعف ديمقراطياتنا هو استخدام إيلون ماسك لمنصته للتدخل في نقاشاتنا، وبثّ الفتنة، وتضخيم خطاب الكراهية، ودعم السلوك العنيف في الواقع». ويرى بعض المراقبين أن مسألة اعتماد الأوروبيين على الخدمات الرقمية الأمريكية تُثار مجددًا. ويضيف كولون: «يكمن الحل في إنشاء بديل في أوروبا لوسائل التواصل الاجتماعي الأمريكية والصينية والروسية، قائم على بنية خوارزمية شفافة تحترم اللوائح الأوروبية الحالية. من الضروري أن نُزوّد أنفسنا ببدائل أخلاقية لتجنب التلاعب الخوارزمي بنقاشاتنا».