حرب إيران تخلط أوراق «عملية السلام» بين تركيا وأكرادها
بدأت تداعيات المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تلقي بظلالها على الملف الكردي داخل تركيا، وسط حالة من الترقب في أنقرة.
وأبدت أنقرة قلقًا علنيًّا من أن تؤدي الحرب إلى تقويض "عملية السلام" الجارية مع حزب العمال الكردستاني، خاصة مع ظهور سيناريوهات تشير إلى احتمالية تشكل فصائل كردية مسلحة مدعومة دوليًّا لمواجهة النظام الإيراني.
هذا التحول قد يعيد خلط الأوراق الأمنية في المنطقة؛ ما يفرض على تركيا موازنة دقيقة بين تحالفاتها الدولية وحماية أمنها القومي من أي تمدد كردي جديد.
مخططات كردية بإيران
وتحدث مسؤولون أتراك، بينهم الرئيس رجب طيب أردوغان، ووسائل إعلام مقربة للحكومة، عن عملية السلام طوال اليومين الماضيين وفرص نجاحها بالتزامن مع تزايد الحديث عن مخططات دقيقة للتحرك الكردي في إيران بقيادة حزب الحياة الحرة الكردستاني الذي تعتبره أنقرة الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني.
وعرضت صحيفة "تركيا" المقربة من حزب العدالة والتنمية الحاكم أمس الأربعاء تفاصيل دقيقة عن السيناريو المتوقع في إيران، وقالت إن حزب العمال الكردستاني يحلم مجددًا باستغلال الفوضى الناجمة عن الحرب، وهذه المرة في إيران بدلًا من سوريا.
وأضافت الصحيفة أن حزب الحياة الحرة الكردستاني، ومنظمات تابعة له، شكلوا ائتلافًا يُعرف باسم "تحالف القوى السياسية الكردستانية الإيرانية"، ويخططون للسيطرة على 40 ألف كيلومتر مربع من المحافظات الإيرانية القريبة من الحدود مع تركيا وأذربيجان.
وأوضحت الصحيفة أن إسرائيل شنَّت غارات على مئات المواقع الإيرانية لإفساح المجال أمام هذا التحالف الجديد بعد اجتماعه مع الموساد الإسرائيلي، ووعده لإسرائيل بجيش يضم 100 ألف جندي، على حد قول الصحيفة.
مخطط أمريكي كردي
وفي السياق ذاته، قال النائب السابق عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، شامل طيار، إن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، تحاول تنظيم قوات كردية لاستخدامها في عملية برية في إيران.
وأوضح طيار عبر حسابه في "إكس"، أن تلك القوات ستضم وفق المخطط، قوات البيشمركة في إقليم كردستان العراق، والفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني، وجماعات كردية معارضة أخرى في إيران وفروع حزب العمال الكردستاني في العراق. وانتقد طيار بشدة ذلك التحالف الأمريكي الكردي المزعوم لشن هجوم بري في إيران، بجانب انتقاده لإيران على استهدافها لمحافظتي أربيل والسليمانية في كردستان العراق، التي قال إنها خطوة من طهران تخدم عدوها، قبل أن يدعو لاستخلاص العبر من الماضي على حد قوله.
وأشار طيار في تدوينته إلى أن من اللافت أن إيران التي تواجه انقلاب حزب العمال الكردستاني عليها، هي من حمته ووفرت له الملجأ في جبل قنديل، وقامت ببناء مستشفيات خاصة لعلاجه مقاتليه.
عملية سلام مجمدة
على المستوى الرسمي، قال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إن عملية السلام التي تطلق عليها أنقرة اسم "تركيا خالية من الإرهاب" تتطلب وجود منطقة خالية من الإرهاب في كل من سوريا والعراق وإيران.
وأضاف الوزير القادم من رئاسة المخابرات التركية، إن بلاده لا يمكنها اتخاذ خطوات عملية نحو "تركيا خالية من الإرهاب" ما لم تُبدِ منظمات حزب العمال الكردستاني في تلك الدول الثلاث، التزامها بالسلام.
ومع ذلك، أكد الوزير في تصريحات للصحفيين، أن بلاده تتابع الوضع من كثب، وأن العملية السياسية داخل تركيا، مسألة منفصلة تدرسها الأحزاب في المرحلة الحالية.
كما أكد الرئيس أردوغان أن بلاده ماضية في عملية السلام، وأن البرلمان "سيُظهر الثقة بالنفس والشجاعة والإرادة اللازمة لتخليص بلادنا تمامًا من هذه المشكلة في الفترة المقبلة".
وأقر أردوغان أمام نواب في البرلمان، بوجود من يسعى لتخريب عملية السلام، وقال "من المؤكد، كما في الماضي، أن هناك من لا يتقبل هذه العملية، ومن يريد إرجاع تركيا عن هذا المسار، ومن سيبذل قصارى جهده لعرقلة هذه العملية المفيدة. لن نلتفت إليهم. سنمضي قدمًا بخطوات واثقة وحازمة وشجاعة على الطريق الذي نؤمن بصحته".
دستور تركي جديد
ويستعد البرلمان التركي عقب شهر رمضان لمناقشة تقرير برلماني موسع يتضمن مقترحات تشريعية جذرية، تشمل إقرار قوانين جديدة وحتى صياغة دستور محدث للبلاد. ويهدف هذا التحرك التاريخي إلى تلبية التطلعات السياسية لأكراد تركيا، ووضع إطار قانوني نهائي يحدد مصير قادة ومقاتلي حزب العمال الكردستاني.
وتتضمن المقترحات معايير دقيقة لتحديد الفئات التي يحق لها العودة إلى تركيا والانخراط في الحياة السياسية والاجتماعية، في خطوة تهدف إلى إنهاء الصراع المسلح الممتد لعقود. ويأتي هذا الحراك البرلماني كجزء من عملية سلام شاملة تسعى أنقرة من خلالها إلى تحصين جبهتها الداخلية وضمان الاستقرار المجتمعي في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.
تعثر مسار السلام
وقال مصدر برلماني تركي، إن الانتقال لتطبيق القوانين والتشريعات التي سيقرها البرلمان كما هو متوقع في الفترة المقبلة، يتوقف على تأكيد رسمي من وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات التركية، بزوال تهديد حزب العمال الكردستاني.
وأضاف المصدر لـ"إرم نيوز" أن الاعتقاد السائد في البرلمان التركي بعد الهجوم على إيران، والسيناريوهات التي ظهرت بعده، هو صعوبة الوصول لتأكيد زوال خطر العودة للسلاح؛ ما قد يقود لبطء في الانتقال لخطوة أخرى في عملية السلام أو تجميد ذلك الانتقال.
ووصل الطرفان، أنقرة وحزب العمال الكردستاني، إلى هذه المرحلة من عملية السلام بعد قرابة عام من إعلان الحزب المسلح حل نفسه استجابة لنداء زعيمه المسجون في تركيا، عبدالله أوجلان، والانخراط في مفاوضات السلام التي تشترط أنقرة فيها أن يشمل قرار التخلي عن السلاح كل المنظمات التي تعتبرها امتدادًا للحزب في دول الجوار.