خبير روسي: انسحاب الفيلق الأفريقي من كيدال بمالي «مناورة»

خبير روسي: انسحاب الفيلق الأفريقي من كيدال بمالي «مناورة»


وصف الباحث الروسي، رئيس مركز التحليل والتنبؤ السياسي في موسكو، دينيس كوركودينوف، انسحاب وحدات الفيلق الأفريقي من كيدال بمالي، والذي تم التوصل إليه مع القيادة الروسية، بأنه «مناورة تكتيكية». 
وقال إن هذه المناورة مكّنت من تجنب الحصار والخسائر غير المبررة في مواجهة هجوم مفاجئ، مشيرا إلى معلومات عن تورط مدربين أوكرانيين وغربيين في تدريب المسلحين.
ورفض كوركودينوف، في حديثه خلال حوار مع «إرم نيوز»، اختزال العلاقات بين موسكو وباماكو في «رجل روسيا»، بعد اغتيال وزير الدفاع المالي، الفريق ساديو كامارا.

وتالياً نص الحوار مع دينيس كوركودينوف:
نتيجةً لهجوم منسق فقدت روسيا «رجلها» في عاصمة مالي، باماكو. هل سيُغيّر اغتيال وزير الدفاع المالي، الفريق ساديو كامارا، موازين النفوذ الدولي في مالي؟
أثبت الفريق ساديو كامارا جدارته كقائد عسكري حازم وذي رؤية ثاقبة، حيث قتل في معركة مع المتشددين، بعد أن قضى على عدد من المهاجمين قبل أن يُصاب بجروح، كما أكد بيان رسمي صادر عن الحكومة المالية. 
ولا شك في إسهامه الإيجابي الكبير ببناء منظومة الأمن في البلاد، بما في ذلك المسار الثابت نحو التعاون العسكري التقني مع روسيا في أعقاب أحداث عامي 2020 و2021. 
ومع ذلك، عند تقييم تحوّل موازين النفوذ الدولي في جمهورية مالي تحليليًا، يجب الانطلاق من الحقائق النظامية والجيوستراتيجية التي تشكّلت حتى 27 أبريل نيسان 2026، وليس من حدث واحد، مهما كانت مأساويته.  في هذا السياق، لا يعني رحيل وزير الدفاع بالضرورة انهيار العلاقات المتعددة الأوجه بين موسكو وباماكو.
 فالرئيس الانتقالي أسيمي غويتا، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، يحتفظ بالسيطرة الكاملة على المجلس العسكري، وتواصل هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة المالية، بقيادة الفريق أول عمر ديارا، تنفيذ مهامها الموكلة إليها.
واعتبارًا من أبريل نيسان 2026، ينتشر «الفيلق الأفريقي» الروسي بشكل دائم في مالي، ويبلغ عدد أفراده، وفقًا لبيانات مؤكدة، حوالي 2500 فرد مندمجين في منظومة الدفاع الوطنية.  ويجري تنفيذ الاتفاقيات المتعلقة بتوريد الأسلحة وتدريب القوات المشتركة لتحالف دول الساحل، كما صرّح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في 19 أبريل-نيسان 2026. 
محاولات التكهن بفقدان رجل من روسيا جزء من حملة تهدف لتشويه سمعة التعاون الروسي المالي.
ومن ثم، يبقى ميزان النفوذ الدولي في مالي مستقرًا، ويستمر تحوّله لصالح الدول المعارضة للممارسات الاستعمارية الجديدة، وهو تحوّل لا رجعة فيه، ولا يمكن أن يؤثر فيه رحيل مسؤول واحد، حتى لو كان ذا شأن كبير كالجنرال ساديو كامارا.

هل سيتراجع النفوذ الروسي في مالي بعد وفاة الجنرال كامارا؟
النفوذ الروسي في جمهورية مالي، وفي منطقة  الساحل الأفريقي عموماً، متعدد الأبعاد ومنهجي بطبيعته، ولا يمكن اختزاله في أنشطة أي مسؤول بمفرده، بل على العكس، فإن الوضع العملياتي الذي نشأ عقب الهجوم المنسق في 25 أبريل-نيسان يستدعي موضوعياً تكثيف وتعميق تعاوننا، وهو ما يجري بالفعل على أرض الواقع.  ووفقاً لمصادر روسية ودولية، خلال القتال في تينزاواتن وعلى جبهات أخرى، لعبت وحدات «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع الروسية، باستخدام المدفعية والطيران، دوراً محورياً في ردع التشكيلات المسلحة المتقدمة ومنعها من اختراق المنشآت ذات الأهمية الاستراتيجية، بما في ذلك القصر الرئاسي في باماكو، الذي تم تأمينه بالاشتراك مع الحرس الرئاسي المالي. 
إن حدة الاشتباكات والخسائر التي تكبدها أفراد الفيلق تؤكد المشاركة المباشرة والفعالة للعسكريين الروس في ضمان سيادة مالي ووحدة أراضيها، وهو عامل يعزز مكانتنا لدى القيادة العسكرية والشعب على حد سواء.
ومن اللافت للنظر أن وزارة الخارجية الروسية في 25 أبريل-نيسان، يوم الهجوم، أصدرت بياناً أدانت فيه بشدة الأعمال الإرهابية، وأشارت بشكل مباشر إلى احتمال تورط الأجهزة الأمنية لعدد من الدول الغربية في تدريب المسلحين. 
 ويُعد هذا الدعم السياسي في لحظة الأزمة الحادة إشارة واضحة لا لبس فيها إلى باماكو وإلى القوى الخارجية الأخرى. 
وأخيرًا، تستمر القاعدة الاقتصادية للنفوذ في التوسع، والتي تشمل اتفاقية إنشاء لجنة حكومية دولية للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني الموقعة عام 2025، والعقود طويلة الأجل في مجالات التنقيب الجيولوجي وتعدين الذهب والليثيوم، فضلًا عن إنشاء شركة روساتوم مصنعًا لمعالجة الذهب. وبالتالي، فإن التكهنات حول تراجع النفوذ الروسي تفتقر إلى أي أساس واقعي.

ما تبعات الوضع على الشراكة العسكرية بين مالي وروسيا، وعلى علاقات باماكو مع عناصر مجموعة الفيلق؟
بعد وفاة يفغيني بريغوجين عام 2023 وإعادة الهيكلة اللاحقة، نُقلت جميع الأصول والوحدات العسكرية الأفريقية التي كانت تابعة لمجموعة فاغنر إلى القيادة المباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وأُعيد تنظيمها رسميًا في «الفيلق الأفريقي». 
لا يُعدّ هذا الفيلق جيشًا خاصًا، بل هو وحدة عسكرية مُؤهلة بعقود عمل، تعمل بموجب اتفاقيات حكومية دولية، وتستخدم نماذج قياسية من الأسلحة والمعدات العسكرية، بما في ذلك طائرات الجيش «مروحيات مي-35».
إن الاتفاق على سحب وحدات الفيلق الأفريقي من كيدال، الذي تم التوصل إليه مع القيادة الروسية، ليس دليلاً على الهزيمة، بل هو مناورة تكتيكية مكّنت من تجنب الحصار والخسائر غير المبررة في مواجهة هجوم مفاجئ وواسع النطاق من قبل قوات معادية متفوقة. 
وإن إجراء مفاوضات مباشرة في الموقع وتنفيذ الانسحاب المنظم لرتل المركبات يؤكد المستوى العالي لإدارة العمليات القتالية وقدرة قيادة الفيلق على اتخاذ قرارات سريعة وعقلانية في أوقات الأزمات.
  في الوقت نفسه، تواصل القوات المسلحة المالية، التي تسيطر على جزء كبير من المدينة وتشن غارات جوية مكثفة، المقاومة.
 وهذا التنسيق، الذي يجمع بين الدفاع المناورة والعمليات الهجومية، يشهد على مستوى متزايد من التفاعل العملياتي، وليس على انقطاع الشراكة. 
 في المستقبل القريب، ينبغي أن نتوقع تكثيف الجهود لتدريب القوات الخاصة المالية ووحدات العمليات الخاصة على عمليات مكافحة التطرف في المناطق الحضرية والصحراوية.
هل ستشهد السياسة الفرنسية والأوروبية والأمريكية في مالي إعادة توجيه، أم أن ذلك سيدفع المجلس العسكري نحو مزيد من التقارب مع روسيا؟
وصل المجلس العسكري المالي، بقيادة الجنرال غويتا، إلى السلطة تحت شعارات استعادة سيادة الدولة وضمان أمن حقيقي.