البرتغال والنمسا.. انتصار الحياد والدبلوماسية الصبورة

صدمة دبلوماسية لـ»ميرتس».. لماذا فشلت ألمانيا في الفوز بمقعد مجلس الأمن؟

صدمة دبلوماسية لـ»ميرتس».. لماذا فشلت ألمانيا في الفوز بمقعد مجلس الأمن؟

مُنيت ألمانيا، الأربعاء 3 يونيو، بأول هزيمة دبلوماسية من نوعها في تاريخها الأممي، إذ فشلت للمرة الأولى في انتزاع مقعد ضمن الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن الدولي، بعد أن آثرت الجمعية العامة للأمم المتحدة منح المقعدَين الأوروبيَّين لكلٍ من البرتغال والنمسا.  وقد وصف وزير الخارجية الألماني يوهان هذه النتيجة بـ»الهزيمة المُرّة»، في مشهد يُلقي بظلاله على مكانة برلين الدولية، ويُفضي إلى تداعيات سياسية داخلية لن تهدأ قريباً.

أرقام الاقتراع.. فجوة 
واسعة لم تكن متوقعة
كشفت نتائج التصويت السري في الجمعية العامة عن فجوة لافتة بين المرشحين الثلاثة المتنافسين على مقعدين أوروبيين. حصلت البرتغال على 134 صوتاً والنمسا على 131 صوتاً منذ الجولة الأولى، متجاوزتَين عتبة الثلثين المطلوبة، في حين لم تتجاوز ألمانيا 104 أصوات. وهو رقم يعكس حجم العزلة التي باتت تُحيط بالدبلوماسية الألمانية في أروقة الأمم المتحدة. وقد وصف المستشار فريدريش ميرتس هذه الهزيمة بأنها مُذِلّة، بعد أن أحجمت الجمعية العامة للأمم المتحدة عن منح ألمانيا المقعد لصالح البرتغال والنمسا. والأشد وطأةً أن ألمانيا، التي سبق أن جلست في مجلس الأمن ست مرات ولم تخفق قط في الوصول إليه، باتت اليوم خارج هذه الدائرة.

لماذا خسرت ألمانيا؟ 
أسباب متشابكة
أولاً: دعم إسرائيل، حيث لم يتردد وزير الخارجية فاديفول في الإقرار بأن المواقف الألمانية كانت سبباً رئيسياً في الهزيمة. وعزا هذه النتيجة المرّة جزئياً إلى دعم برلين لإسرائيل، مشيراً إلى أن ذلك كلّفها أصواتاً حاسمة في الجمعية العامة، مؤكداً في الوقت ذاته أن هذه النتيجة لن تحول دون مواصلة ألمانيا الوقوف عند «مسؤوليتها التاريخية» تجاه إسرائيل. ويُشير أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هاله، يوهانس فارفيك، إلى التناقض الصارخ الذي يراه كثيرون في المواقف الألمانية؛ إذ إن الانحياز الواضح لإسرائيل في ملف قطاع غزة، مع التمسك شبه العقائدي بمبدأ سيادة القانون الدولي في الحرب الأوكرانية، يبدو أمراً متنافراً في نظر كثير من دول العالم. ثانياً: الموقف من أوكرانيا وغضب موسكو، إذ اتهم فاديفول الكرملين بالتحريض ضد برلين بسبب دعمها «الثابت» لأوكرانيا، مؤكداً أن روسيا لا تريد صوتاً كالصوت الألماني على طاولة مجلس الأمن، وأنها عملت على تأليب الرأي ضد ألمانيا. وثالثاً، تأخر الحملة الانتخابية والاستهانة بالمنافسين، فالأسباب لم تقتصر على المواقف السياسية وحدها؛ فقد أشار المحلل دانيال فورتي من مجموعة الأزمات الدولية إلى أن بعض الدول الأعضاء ربما لم تشأ أن تجلس ألمانيا والنمسا معاً في المجلس لكونهما «متشابهتين للغاية»، وأن برلين على الأرجح أخفقت بسبب تأخرها في الدخول إلى السباق مقارنةً بالنمسا التي خاضت حملة مكثفة امتدت أكثر من عشر سنوات. بل إن تصريحاً صدر عن فاديفول قبيل التصويت، أشار فيه ضمنياً إلى البرتغال والنمسا بوصفهما دولتين «أصغر»، انعكس سلباً على صورة ألمانيا وأضر بحملتها في اللحظات الأخيرة. في المقابل، جاء فوز البرتغال والنمسا تعبيراً صريحاً عن تحولات في موازين الدبلوماسية الأممية. استثمرت البرتغال مكانتها بوصفها وسيطاً محايداً بين أوروبا ومستعمراتها السابقة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، مما رسّخ حضورها كلاعب محوري على الساحة الدولية. 
أما النمسا، فقد وظّفت حيادها المكرّس دستورياً وعدم انتمائها لحلف الناتو ورقةً رابحة، لاستقطاب أصوات الدول الأفريقية والآسيوية واللاتينيــــــة الســــــاخطة على مواقف واشنطن في الساحة الدولية.  
وأعلن المستشار النمساوي كريستيان ستوكر في رسالة فيديو نشرها على منصة إكس أن العالم لا يُحلّ بـ»الهيمنة»، وأن بلاده ستدافع عن التعددية الدولية.

تداعيات داخلية..
 ميرتس في مرمى النيران
لم تتأخر المعارضة الألمانية في توظيف هذه الهزيمة سياسياً. فالهزيمة لا تمثّل نكسة دبلوماسية فحسب، بل قد تُذكي الانتقادات الداخلية لميرتس الذي يعاني أصلاً من تراجع شعبيته، لا سيما أنه جاء إلى السلطة على وعد باستعادة دور ألمانيا القيادي في أوروبا. 
وقالت أليس فايدل، الزعيمة المشاركة لحزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، إن الهزيمة تمثل «إحراجاً» يكشف فشل المستشار في استعادة المكانة الدولية لبلاده. 
وذهب أبعد من ذلك أديس أحمدوفيتش، المتحدث باسم حزب الاشتراكيين الديمقراطيين في البرلمان، الشريك في الائتلاف الحاكم نفسه، حين وصف النتيجة بأنها «مقياس لكيفية إدراك ألمانيا دولياً»، مشيراً إلى أن ما جرى «ليس مجرد خطأ عابر، بل إنذار جدي».

من يملأ المقاعد
 الخمسة الجديدة؟
إلى جانب البرتغال والنمسا، انتُخبت زيمبابوي بـ182 صوتاً عن المجموعة الأفريقية، وترينيداد وتوباغو بـ181 صوتاً عن مجموعة أمريكا اللاتينية والكاريبي، فيما احتاج التنافس بين الفلبين وقيرغيزستان إلى جولات تصويت إضافية قبل أن يحسمها الأخير لصالحه. 
وستحل هذه الدول الخمس محل باكستان والصومال واليونان والدنمارك وبنما اعتباراً من مطلع عام 2027.
لكن تبقــــى هذه الهزيمة الأممية مرآةً لتحولات عميقـــة في النظـــــــرة الدوليـــــــة إلى ألمانيــــــــا؛ فالدولـة التي طــــــالمـــــا كانت نموذجــــــاً للتعددية والشــــــرعية الدوليــــة، باتـــــت تواجــــه اتهامــات بازدواجية المعايير.