كيف دمر الغرب نموذج التعايش العريق في بلاد الشام؟

كيف دمر الغرب نموذج التعايش العريق في بلاد الشام؟


لطالما مثلت بلاد الشام، الممتدة من شواطئ البحر المتوسط حتى فلسطين والأردن، نموذجاً رائداً للتعايش العملي بين الثقافات والأديان والطوائف المختلفة، إذ نجحت هذه المنطقة نجحت عبر قرون طويلة في بناء شبكة متينة من الاعتماد الاقتصادي والاجتماعي المتبادل، قبل أن تطيح بها مشاريع القومية الأوروبية والحدود المصطنعة والتجاذبات الأيديولوجية الحديثة. وقال ليون هدار، محلل في الشؤون الخارجية وكاتب ومحرر مساهم في موقع The American Conservative، في مقاله بعنوان «تراث بلاد الشام العالمي المفقود» أن مدناً مثل دمشق وحلب وبيروت والقدس لم تكن مجرد مراكز تجارية، بل مختبرات حقيقية للتعاون بين الأرمن واليونانيين الأرثوذكس واليهود والمسلمين السُنّة والموارنة. 
وتابع الكاتب أن المصلحة العملية والازدهار الاقتصادي كانا يسبقان الانقسامات الأيديولوجية الضيقة، ما جعل التعايش قاعدة يومية راسخة.
وأوضح الكاتب أن قوة هذا النموذج تكمن في طابعه المحافظ واحترامه للتقاليد الاجتماعية الراسخة، حيث كان الازدهار والاستقرار وجهين لعملة واحدة. وقد أتاح نظام المِلّة العثماني، رغم عيوبه، لكل طائفة الحفاظ على هويتها والمشاركة في الحياة العامة والاقتصادية.

انهيار النموذج تحت ضغط القوميات
أكد الكاتب أن انهيار هذا النظام لم يكن بسبب «كراهية قديمة» كما تصف بعض السرديات الغربية، بل نتيجة مباشرة لاستيراد القوميات الأوروبية وفرض الدولة الحديثة بحدودها المصطنعة.
وأشار الكاتب إلى أن وعد بلفور، نظام الانتداب الفرنسي، القومية العربية، وبناء الدولة الصهيونية، كلها ساهمت في تقويض الشبكات التجارية والثقافية المرنة التي ازدهرت في بلاد الشام لقرون.
ومع صعود الأيديولوجيات الحديثة مثل الإسلام السياسي والاشتراكية العربية والصهيونية المسلحة، اكتمل تدمير منظومة التعايش الطبيعي.

الثمن الباهظ للتفكك
وقال الكاتب إن الواقع الراهن في الشرق الأوسط يمثل الثمن المباشر لفقدان نموذج بلاد الشام. فقد أصبح لبنان مشلولاً بالصراعات الطائفية، وسوريا غارقة في الحرب والانقسام، بينما تعيش فلسطين–إسرائيل في دوامة صراع لا ينتهي. وأضاف أن الحلول الأيديولوجية حلت مكان الحلول العملية؛ فسياسات حزب الله الطائفية، وسلاح حماس، والمستوطنات الإسرائيلية، كلها أمثلة على بدائل أضعفت روح التعاون التي كانت تقوم على التجارة والثقافة المشتركة.

من اقتصاد متنوع إلى تبعية مدمرة
أوضح الكاتب أن الاقتصادات التقليدية في بلاد الشام كانت تقوم على المؤسسات العائلية، وسمعة التجار، والاحترام المتبادل لحقوق الملكية. أما اليوم، فتعتمد اقتصادات المنطقة على النفط والمساعدات الخارجية والإنفاق العسكري.
وتابع الكاتب أن هذه التحولات قضت على روح ريادة الأعمال الإنتاجية، وحولت الصراعات إلى مصدر ربح للنخب السياسية، بينما تلاشت فرص التعاون والتكامل التي ميزت المنطقة في الماضي.

العالمية المحافظة كنموذج بديل
قال الكاتب إن تجربة بلاد الشام تثبت أن التنوع الديني والثقافي لا يقود بالضرورة إلى التفكك، إذا جرى تنظيمه عبر آليات السوق التقليدية والمؤسسات الاجتماعية القائمة على الثقة. 
وأضاف أن هذا ما يمكن تسميته بـ»العالمية المحافظة»، أي الحفاظ على الهويات الخاصة للجماعات مع إشراكها في شبكة أوسع من التعاون والازدهار.
وأشار الكاتب إلى أن إحياء هذا النموذج لا يعني التخلي عن السيادة أو الأمن، بل يقتضي بناء ترتيبات اتحادية ومناطق تعاون اقتصادي ومؤسسات تسمح بالاستقلال المحلي مع المشاركة في شبكات أوسع.
وأكد الكاتب أن روح بلاد الشام التراثية، رغم ما يبدو عليها من قدم في ظل النزاعات الراهنة، تمثل دليلاً حياً على قدرة شعوب المنطقة على بناء مجتمعات ناجحة قائمة على التعاون والاعتماد المتبادل.
وأضاف أن التحدي الأبرز اليوم يتمثل في اختيار طريق التعاون التدريجي والعملي، بدلاً من الانغماس في صراعات سطحية قائمة على الطائفة أو العرق. 
واختتم الكاتب مقاله بالقول: «إن بلاد الشام لم تكن مجرد جغرافيا، بل نموذجاً عالمياً ملهماً فقدناه تحت ركام القوميات الحديثة».