مدفع «قيصر» في يريفان.. دعم فرنسا لأرمينيا يثير حفيظة روسيا وأذربيجان

مدفع «قيصر» في يريفان.. دعم فرنسا لأرمينيا يثير حفيظة روسيا وأذربيجان

نظمت أرمينيا عرضها العسكري السنوي في ساحة الجمهورية بالعاصمة يريفان، بشكل تجاوز المعتاد كثيرا، وضم فرقا موسيقية وصفوفا من الجنود والآليات المدرعة. وبين الحشود التي ضمها العرض، كان ما جذب أنظار المراقبين الأجانب شيئاً محدداً، هو المدفع الفرنسي «قيصر» الذي مر أمام المنصة الرسمية لأول مرة، إلى جانب رادارات «تاليس» ومدرعات «باستيون» وصواريخ «ميسترال».
العرض العسكري هذا العام كشف عن قصة تحول أمني إقليمي كامل، أظهر أن فرنسا تحولت في غضون 4 سنوات من أبرز موردي السلاح لأرمينيا؛ وهو ما يُغضب موسكو وأذربيجان معاً.

من موسكو إلى باريس.. انهيار الثقة
يحدد إيدوارد أراكيليان، المحلل المتخصص في التعاون العسكري التقني، لمجلة «لكسبريس» نقطة التحول الحاسمة بالقول: الجيش الأرميني كان يستعد لـ»حروب الماضي». وفي حرب «الأيام الأربعة» عام 2016، أبدت أذربيجان تفوقاً تقنياً صارخاً بطائرات «بيرقدار» التركية والذخائر الإسرائيلية المجنّحة، لكن أرمينيا لم تستخلص أي درس، واثقةً بأن الحليف الروسي سيُعوّض تأخرها التقني. ولم تكن تعلم أن موسكو كانت تُزوّد أذربيجان في الوقت ذاته بأنظمة أكثر حداثة.
وحين وقعت الخسارة الكاملة في حرب 2020، استمرت أرمينيا في الشراء من روسيا، لكن حين حققت أذربيجان الضربة القاضية في سبتمبر أيلول 2023 واستعادت كل «قره باغ» وفرّ 120 ألف أرميني، بينما الكرملين يتفرج، وبعض الأسلحة المدفوع ثمنها مسبقاً لم يُسلَّم، انهار كل شيء. وتُلخّص «لكسبريس» المشهد بالقول: «ثقة أرمينيا في النموذج الأمني الروسي انهارت».

500 مليون يورو وعقود تتراكم
تُوثّق «لكسبريس» الأرقام بدقة: منذ 2022 وحتى اليوم، قدّمت فرنسا لأرمينيا 278.5 مليون يورو من المعدات العسكرية، مع عقود موقّعة تبلغ إجمالاً 500 مليون؛ ما يضع باريس في مقدمة موردي السلاح مع نيودلهي. سلسلة العقود كانت: في أكتوبر 2023 ثلاثة رادارات GM-200 وصواريخ ميسترال، ثم 50 مدرعة «باستيون»، ثم عقد مدافع «قيصر» في معرض يوروساتوري 2024. كما فتحت باريس «بعثة دفاعية دائمة» في يريفان، وهي سابقة لدولة في حلف الناتو.
لكن الواقع أكثر تعقيداً، حيث تكشف المجلة أنه «من أصل 50 مدرعة باستيون وعدت باريس بها، سُلّم 26 فقط وفق مصادر مطّلعة على الملف». والسبب صعوبات العبور عبر جورجيا التي باتت موالية لروسيا منذ انتخاباتها في نهاية 2024، وهي الممر البري الوحيد الممكن. تُبيّن «لكسبريس» أن الأمر يتجاوز صفقات السلاح، ففرنسا تُشارك في تحويل العقيدة القتالية الأرمنية. الجنود الفرنسيون من الصيادين الجبليين يُدرّبون الأرمينيين على القتال في التضاريس الجبلية، بينما يُقدّم الأرمينيون في المقابل دروساً تكتيكية مستخلصة من حروبهم الأخيرة.
وتؤكد أليس روفو، الوزيرة الفرنسية المنتدبة المسؤولة عن شؤون الجيوش، «وجود شبكة دبلوماسية دفاعية في إعادة تشكّل قوية مع إعادة انتشار نحو الشرق والقوقاز».

 العلم الفرنسي في مكاتب يريفان
يُوثّق التحقيق تفصيلاً لافتاً، فمنذ عامَين، يجري فريق شركة «دافارو» الأرمينية لصناعة الطائرات المسيّرة العسكرية تبادلات منتظمة مع ممثلين للصناعة الدفاعية الفرنسية.
ويقول مؤسسها داﭭيد غالويان: «الصناعيون الفرنسيون يُتقنون الأنظمة الثقيلة والمعقدة، لكن الحروب الحالية تُفضّل المعدات الأصغر، المُنتَجة بأعداد كبيرة والقادرة على ضربات دقيقة. هنا نتكامل». 
وفي مكتبه، يرفرف العلم الفرنسي إلى جانب الألوان الأرمنية. «صورة كانت مستحيلة منذ ثلاث سنوات»، كما تعلق المجلة الفرنسية.
 غضب موسكو وباكو
في المقابل اتهمت باكو فرنسا بـ»دفع أرمينيا نحو حرب جديدة» وتُحمّل «نظام الرئيس إيمانويل ماكرون» المسؤولية.  من جهتها تُدين موسكو «النشاطات الاستفزازية» المرتبطة بتسليم مدافع «قيصر» وتتهم باريس بـ»إذكاء جولة جديدة من المواجهة المسلحة». لكن المعادلة الجيوسياسية تبقى معقدة، ففي يريفان نفسها، لا تزال القاعدة العسكرية الروسية في غيومري، وتنقسم حولها الآراء: فريق يرى فيها ضماناً ضروريا ضد تركيا، وفريق آخر يريد تجاوزها نحو شركاء جدد.