خلال جلسة حوارية إماراتية إفريقية بعنوان "أصداء لغاتنا"

مهرجان الشارقة للأدب الإفريقي 2026 يستعرض عبور القصص بين اللغات

مهرجان الشارقة للأدب الإفريقي 2026 يستعرض عبور القصص بين اللغات


شهدت فعاليات مهرجان الشارقة للأدب الإفريقي جلسة حوارية إماراتية إفريقية بعنوان "أصداء لغاتنا" ناقشت دور اللغة في حفظ الذاكرة وبناء الجسور الثقافية بين الشعوب، من خلال استكشاف كيفية عبور الكتب بين اللغات حاملةً معها التاريخ والخيال والهوية. وشارك في الجلسة كل من الكاتبتين التنزانية دولت عبدالله سعيد والإماراتية صالحة عبيد، فيما أدارت الحوار الدكتورة هدى الشامسي، في نقاش ركّز على اللغة بوصفها حاضنة للثقافة ووسيلة للحوار بين الماضي والحاضر والمستقبل.
وفي حديثها خلال الجلسة، أوضحت صالحة عبيد أن الحكايات الإنسانية بدأت في أصلها شفاهية، وأن الكتابة اليوم هي امتداد لهذا الإرث، لكنها تستند إلى لغة عاشت قروناً من التدوين والتشكّل، بكل ما تحمله اللغة العربية من جماليات وعمق وحضور.
 
موروث يقرب المسافة بين الأجيال
وأشارت صالحة عبيد إلى أنها تستحضر في كتابتها الموروث الشفاهي الإماراتي، من أمثال وحكايات الجدات والجدود، وكلمات قديمة كانت تمر في الذاكرة دون وعي بقيمتها، ثم تعود تلقائياً إلى النص باعتبارها جزءاً أصيلاً من الهوية. وبيّنت أن هذا الموروث يقرّب المسافة بين الأجيال، ويجعل الذاكرة العائلية أكثر حضوراً ووضوحاً، مؤكدة أن تضمين المفردات المحلية والحكايات الخاصة بالمكان هو فعل واعٍ لتأكيد هوية النص وانتمائه.
وأضافت أن حكاياتها تنطلق غالباً من التاريخ العائلي والتجارب الشخصية، لتتقاطع لاحقاً مع التاريخ العام للمكان وحكايات الناس، مستعيدة عوالم البحر والغوص والأساطير الشعبية والخيال الذي شكّل وجدان الأجيال السابقة. واعتبرت أن العودة إلى الخيال باتت ضرورة في عالم معاصر يهيمن عليه المنطق والوضوح، لأنها تتيح المزج بين الواقع الصلب والتاريخ الشخصي المليء بالأحلام والهواجس.
كما شددت عبيد على شعورها بالأمانة تجاه النص منذ لحظة الفكرة الأولى، سواء في اختيار المكان أو في تقديم الشخصيات الإماراتية المعاصرة بوصفها امتداداً طبيعياً لشخصيات الماضي، مؤكدة أن الكتابة بالنسبة لها محاولة لفتح حوار مع الآخر، ودعوته لاكتشاف الإنسان الإماراتي، أفكاره ومشاعره وتعقيداته، بعيداً عن الصورة النمطية للمكان.
من جهتها، أوضحت الكاتبة دولت عبدالله سعيد أن الراوي الشفهي يواجه تحديات خاصة تختلف بطبيعتها عن الكتابة، لأنه يتعامل مع جمهور حي ومباشر. وبيّنت أن الحكّاء لا يروي قصته في فراغ، بل يكون مطالباً طوال الوقت بقراءة تفاعل المستمعين، والانتباه إلى أسئلتهم المحتملة، ومعرفة ما إذا كانت الحكاية تصل إليهم فعلاً وتلامس اهتمامهم.
وأشارت سعيد إلى أن تفاعل الجمهور، من تصفيق أو تشجيع أو انفعالات مباشرة، يصبح جزءاً من عملية السرد نفسها، ويؤثر في إيقاع الحكاية وطريقة تقديمها، ما يفرض على الراوي وعياً مستمراً بالجمهور أثناء السرد. وأضافت الكاتبة التنزانية أن الكتابة، في المقابل، تمرّ بمسار مختلف تماماً؛ إذ لا يكون الكاتب أمام جمهور مباشر، بل أمام نص يتشكل بهدوء وبعيداً عن ردود الفعل الآنية. غير أنها لفتت إلى أن التطور التكنولوجي اليوم أتاح للكتابة آفاقاً جديدة، حيث أصبح من الممكن توظيف عناصر لم تكن متاحة من قبل، مثل المؤثرات الصوتية والحركية والوسائط المتعددة، بما يقرّب النص المكتوب من روح السرد الشفهي. واعتبرت أن هذه الأدوات الحديثة، بما فيها التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، أسهمت في توسيع مساحة التعبير، وفتحت أمام الكتّاب طرقاً جديدة لدمج الصوت والصورة والحركة في نقل الحكايات.
 
"المهاجر السيئ" تحت مجهر المهرجان
وفي سياقٍ متصل، شهدت فعاليات المهرجان جلسة حوارية خُصصت لمناقشة كتاب "المهاجر السيّئ" للكاتبة النيجيرية سيفي أتا، (The Bad Immigrant)، وهو مجموعة قصصية تسبر قضايا الهجرة والهوية والانتماء. ومن خلال نقاش تفاعلي، سلّطت أتا الضوء على تحديات الاغتراب والحياة الحضرية والتكيّف الثقافي التي تتناولها في كتابها، مبيّنة كيف يتيح الأدب فهماً أعمق للأبعاد الشخصية والمجتمعية للتجارب الإفريقية، ويجعلها قريبة من قرّاء ينتمون إلى خلفيات ثقافية متنوّعة.