موسكو ترفع سقف خطاب النووي.. هل عودة كييف للحياد «شرط» للتسوية؟
صعّدت روسيا من لهجتها المرتبطة بالملف النووي في الأيام الماضية، مع تركيز متزايد على منظومة الأمن الأوروبي ومستقبل أوكرانيا.
وخلال مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في الأمم المتحدة، أكد السفير المتجول بوزارة الخارجية الروسية أندريه بيلاوسوف، أن «محاولات فرض التخلّي عن الأسلحة النووية، ما هي إلَّا تجاهل تام للمصالح المشروعة لبلدنا والمبادئ الأساسية لنزع السلاح».
وفي السياق ذاته، نفى بيلاوسوف بشكل قاطع وجود أي نية لدى موسكو لاستخدام الأسلحة النووية في أوكرانيا، مؤكدًا أن هذه الاتهامات «لا أساس لها من الصحة وتهدف إلى تأجيج الهستيريا المعادية لروسيا».
وجاءت هذه التصريحات بالتزامن مع تحذيرات روسية متكررة من تداعيات السياسات النووية الغربية على التوازنات الأمنية في القارة الأوروبية.
وشدد رئيس الوفد الروسي في مؤتمر مراجعة المعاهدة على أن السياسات النووية للدول الغربية تقوّض مصالح روسيا الأمنية الأساسية، وتهدد بالتصعيد إلى صراع مسلح مباشر.
وعلى صعيد الملف الأوكراني، أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا ضرورة عودة كييف إلى أسس دولتها، وهي عدم الانحياز والحياد وعدم امتلاكها للأسلحة النووية، معتبرة أن هذا الإطار يمثل أحد المرتكزات الأساسية لأي ترتيبات مستقبلية.
كما حذر مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة من خطط غربية محتملة تتعلق بنقل مكونات أسلحة نووية إلى أوكرانيا، مشيرًا إلى أن مثل هذه التحركات من شأنها الإضرار بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ورفع مستوى التوتر في المنطقة.
وفي موازاة التصريحات الرسمية، برزت مواقف أكثر تشددًا داخل موسكو؛ إذ تساءل رئيس الأركان العامة الروسي السابق يوري بالويفسكي خلال جلسة برلمانية عن توقيت القتال الحقيقي، ملمِّحًا إلى إمكانية استخدام أدوات ضغط إضافية، من بينها الأسلحة النووية التكتيكية.
ومع تصعيد الخطاب النووي الروسي ضد أوروبا تزامنا مع تحركات القارة العجوز الخاصة بملفات الطاقة والتوازنات الإقليمية، يبقى السؤال الأبرز: هل تصبح عودة أوكرانيا للحياد شرطًا لأي تسوية؟ في البداية، أكد المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، د. محمود الأفندي، أن أوروبا تعيش حالة من «الهستيريا الأمنية» المرتبطة بإعادة تشكيل هياكلها الدفاعية والمظلة النووية، في ظل التوترات الناتجة عن الخلافات بين واشنطن والدول الأوروبية والانقسامات الداخلية.
وفي تصريح، لـ»إرم نيوز»، كشف الأفندي، أن الولايات المتحدة لم تعد تثق بالدول الأوروبية كما في السابق، مشيرًا إلى أن التدخل الأمريكي في حال تعرض أي دولة أوروبية لاعتداء لم يعد مضمونًا، خاصة في ظل توجهات دونالد ترامب. وأضاف المحلل السياسي أن فرنسا تسعى إلى بناء هيكلية أمنية جديدة قائمة على المظلة النووية، في وقت يرتبط فيه القرار النووي البريطاني بالولايات المتحدة، بينما تبقى فرنسا الدولة الأوروبية الوحيدة التي تحتفظ بسيادة كاملة على سلاحها النووي رغم محدودية ترسانتها.
ولفت إلى أن أي توسُّع فرنسي في هذا الإطار سيقود إلى زيادة إنتاج الرؤوس النووية، وهو ما تعتبره روسيا تهديدًا مباشرًا، مؤكدًا أن موسكو لن تسمح بإنشاء هيكل أمني أوروبي جديد دون مشاركتها.
وأشار الأفندي إلى أن نشر أسلحة نووية في أوروبا الشرقية، سواء في بولندا أو دول البلطيق أو غرب أوكرانيا، سيؤدي إلى مواجهة مباشرة، موضحًا أن الرسائل الروسية ترفض أي مظلة نووية فرنسية تمتد إلى تلك المناطق.
وقال الخبير في الشؤون الروسية، إن موسكو تتعامل بتريث مع باريس؛ نظرًا لقرب انتهاء ولاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مع استمرار التحذيرات الروسية، التي تشمل التلويح باستهداف مواقع محددة حال تصعيد الدعم العسكري لأوكرانيا. وأكد مدير شبكة الجيو استراتيجي للدراسات إبراهيم كابان، أن تكرار موسكو تهديداتها باستخدام الأسلحة النووية لم يعد يثير مستوى القلق ذاته لدى أوروبا، مشيرًا إلى أن اللجوء إلى هذا الخيار يعني عمليًّا الانزلاق نحو حرب عالمية ثالثة، وهو سيناريو تدرك الأطراف المختلفة مخاطره.
وقال في تصريح، لـ»إرم نيوز»، إن هذا التصعيد يأتي في إطار الضغط الإعلامي والسياسي أكثر من كونه استعدادًا فعليًّا للاستخدام، لافتًا إلى أن موسكو تسعى من خلال هذه الرسائل إلى التأثير على المواقف الأوروبية.
وشدد على أن المفاوضات التي جرت بين موسكو وواشنطن لم تحقق النتائج المرجوة، موضحًا أن محاولة التفاوض بمعزل عن الاتحاد الأوروبي لم تنجح، وهو ما يعكس تعقيد المشهد.
وأشار إلى أن موسكو تسعى إلى عقد صفقة استراتيجية تربط بين استقرار الأمن الأوروبي وتراجع الدعم الأوروبي لأوكرانيا؛ بهدف تحييدها وإبعادها عن الفضاء الأوروبي.
واعتبر أن هذا الموقف يعكس حالة من الضعف أكثر من القوة، موضحًا أن ربط الأمن الأوروبي بشروط محددة يعني محاولة فرض مسار يخدم المصالح الروسية.
ولفت إلى وجود تحركات غير معلنة بين أوروبا وروسيا وربَّما الولايات المتحدة بشأن ملف الأسلحة النووية، مشيرًا إلى أن هذه الاتصالات قد تؤثر على مسار الأزمة، خاصة مع احتمالات تغيُّر وضع أوكرانيا مستقبلاً.