فيما يُطالِبُ ترامب باستسلامٍ غير مشروطٍ للسلطة الكوبية :

هافانا تعتبر نظامها غيَر قابل للتفاوض و تُنفذ خُطةً للتغلب على الحصار الأمريكي

 بعد فنزويلا، كوبا؟ لم يُخفِ دونالد ترامب قط رغبته في الإطاحة بنظام كاسترو. فقد صرّح في اليوم نفسه الذي اختُطف فيه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في الثالث من يناير-كانون الثاني: «سيتعين علينا التحدث عن كوبا».
 وأضاف وزير الخارجية ماركو روبيو: «لو كنتُ في الحكومة في هافانا، لكنتُ قلقًا». واليوم، يؤكد الرئيس الأمريكي أن كوبا تتفاوض مع إدارته. وهدّد الرئيس في السابع والعشرين من يناير-كانون الثاني بأن من الحكمة أن تتوصل الجزيرة إلى اتفاق «قبل فوات الأوان.

كوبا على وشك الانهيار»
وقد نفت الحكومة الكوبية أي مفاوضات من هذا القبيل، ووفقًا للرئيس ميغيل دياز كانيل في الثاني عشر من يناير-كانون الثاني، فإنها ببساطة «مستعدة دائمًا للحفاظ على حوار جاد ومسؤول مع الإدارات الأمريكية، بما في ذلك الإدارة الحالية، على أساس المساواة في السيادة والاحترام المتبادل».
ومؤخرًا، أقرّ نائب وزير الخارجية، كارلوس فرنانديز دي كوسيو، بوجود «بعض تبادل الرسائل» بين البلدين، لكنه نفى وجود حوار ثنائي.

استراتيجية الفوضى
 لا يثق الدبلوماسي الكوبي السابق كارلوس ألزوجاراي إطلاقاً بالمفاوضات التي أعلنها دونالد ترامب، إذ يعتقد: «في أحسن الأحوال، ربما كانت هناك محادثات استكشافية، ولكن إن وُجد هذا الحوار الأولي، فيبدو أنه قد انتهى». ويضيف: «ما تطالب به إدارة ترامب الحكومة الكوبية هو استسلام غير مشروط للسلطة. بالنسبة لهافانا، هذا ليس تفاوضاً، بل إنذار نهائي». أما جانيت هابيل، الباحثة في معهد الدراسات المتقدمة لأمريكا اللاتينية، فترى أن كوبا لم تقبل الابتزاز الأمريكي وتستعد للأسوأ، قائلةً: «كالعادة، القيادة الكوبية مستعدة لمناقشة كل شيء باستثناء النظام السياسي» .
ومنذ ديسمبر-كانون الأول 2025، تُنفذ هافانا خطة «مقاومة» وُضعت جزئياً عام 1993، إبان انهيار الاتحاد السوفيتي، وتهدف إلى الصمود أمام الحصار البحري «قيود على مبيعات الوقود، وإغلاق بعض المكاتب الحكومية، والعمل عن بُعد، إلخ « . الوضع الاجتماعي الآن أسوأ مما كان عليه خلال «الفترة الخاصة» - كما تُعرف سنوات انهيار الكتلة السوفيتية في كوبا. خلال ولايته الأولى «2017-2021»، شدد دونالد ترامب الخناق على كوبا، خطوةً تلو الأخرى، فأوقف الانفتاح الذي روّج له باراك أوباما عام 2015، وقيد حركة السياح والتحويلات المالية من المغتربين إلى عائلاتهم في الوطن. وفي ولايته الثانية، أعاد إدراج كوبا على قائمة الدول الراعية للإرهاب - وهي قائمة كان جو بايدن قد أزالها قبل ستة أيام من مغادرته منصبه. وبعد وقف شحنات النفط من كاراكاس، موردها الرئيسي، هدد ترامب بفرض تعريفات جمركية جديدة على الدول الموردة لكوبا، مما أجبر المكسيك، ثاني أكبر مورد لها، على تعليق شحناتها. يقول كارلوس ألزوجاراي: «هذا إعلان حرب، أسوأ من سابقيه، يهدف إلى تجويع شعب لم يرتكب أي جرم ضد الولايات المتحدة». في الجزيرة، امتدت طوابير السيارات أمام محطات الوقود بلا نهاية، وارتفع سعر البنزين بشكل حاد، كما ازدادت انقطاعات التيار الكهربائي. في يوم الاثنين، 9 فبراير، أعلنت كوبا أنها لم تعد تملك الكيروسين اللازم لطائراتها. إن استراتيجية الفوضى التي تنتهجها إدارة ترامب سلاح ذو حدين بالنسبة للولايات المتحدة. وتضيف جانيت هابيل: «ترامب يلعب بالنار. إذا تخيلنا أسوأ سيناريو، وهو حصار بحري كامل يُشعل أعمال شغب بسبب نقص الغذاء، فسيهرب الكوبيون جماعياً إلى الشواطئ الأمريكية، كما حدث بالفعل عدة مرات في الماضي

سرية تامة
في هذه المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة، تريد كوبا أن تعتقد أنها تستطيع الاعتماد على حلفاء أقوياء سيرفضون التدخل الأمريكي: روسيا والصين. لكن هذه الدول لم تحرك ساكناً لمساعدة نظام شافيز في كاراكاس. «نحن نقلل كثيراً من شأن الغرب، يوضح كارلوس ألزوجاراي قائلاً: «إن التضامن الأيديولوجي بين الصين وكوبا، اللتين حافظتا على علاقات وثيقة للغاية على مر التاريخ، هو ما يُميزهما». وقد زار وزير الخارجية الكوبي، برونو رودريغيز باريلا، مؤخراً فيتنام ثم الصين، التي تُزود كوبا بألواح شمسية ودراجات كهربائية قيّمة. ويضيف ألزوجاراي: «تشير التقارير إلى أن روسيا مستعدة لإرسال النفط إلى كوبا برفقة قواتها البحرية، كما ترفض المكسيك أيضاً الخضوع لإملاءات واشنطن». وقد أرسلت الرئيسة المكسيكية، كلوديا شينباوم، مؤخراً 800 طن من المساعدات الإنسانية إلى كوبا، وأكدت يوم الاثنين عزمها على مواصلة تقديم المساعدة. وقالت الرئيسة: «لا يمكن لأحد أن يتجاهل معاناة الشعب الكوبي. إن العقوبات المفروضة على بائعي النفط ظالمة للغاية، ونحن نسعى إلى حل دبلوماسي لمواصلة إمداد كوبا بالوقود». وتشير التقارير إلى أن المكسيك عرضت التوسط في هذا النزاع، ولكن وفقاً لألزوجاراي، «لا كوبا ولا الولايات المتحدة مهتمتان بوجود دولة ثالثة». لطالما كان من سمات البلدين التكتم التام على محادثاتهما. فماذا قد تتناول أي مفاوضات محتملة؟
تقول جانيت هابيل: «بإمكان كوبا أن تعرض إطلاق سراح السجناء السياسيين الذين يُقدّر عددهم بنحو ألف سجين وتنفيذ إصلاحات اقتصادية، مما يسمح باستثمارات من أبناء الجالية الكوبية في الخارج. وفي المقابل، يمكن للجزيرة أن تطلب شطب اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، أو حتى إعادة قاعدة غوانتانامو البحرية، التي لم تعترف بها الحكومة الكوبية قط». وقد أشارت الولايات المتحدة مرارًا إلى ضرورة تقديم تعويضات للشركات الأمريكية التي تم تأميمها خلال الثورة الكوبية عام 1960 كما يمكن للأمريكيين المطالبة بتعزيز التعاون في مكافحة تهريب المخدرات، الذي كان موجودًا في الماضي ولكنه تراجع منذ ذلك الحين.