رئيس الدولة يؤكد عمق العلاقات الأخوية التاريخية التي تجمع الإمارات والكويت وشعبيهما
هل يكون الفضاءُ ركيزةً أساسيةً للأمن الجماعي الأوروبي ؟
يكشف تحليل الخطابات المعاصرة حول الفضاء أن القوى العظمى تعتمد على تصورات تُشكّل استراتيجياتها. فالولايات المتحدة تُوظّف أسطورة الحدود والقدر المحتوم، وروسيا تُعيد تفسير إرثها السوفيتي من منظور جديد، والصين تُؤطّر «حلمها الفضائي» ضمن مشروع نهضة وطنية. أما دول أخرى، مثل الهند، فتستخدم الفضاء كأداة لتعزيز مكانتها أو ابتكارها أو ريادتها الإقليمية.
تُعدّ أوروبا إحدى هذه الدول الفاعلة الرئيسية في مجال الفضاء، وقد طوّرت نهجًا فريدًا قائمًا على التعاون والعلم، وعلى فكرة أن البنية التحتية المدارية يجب أن تخدم مواطنيها في المقام الأول. وقد عزّز هذا الخطاب تصوّر الفضاء كمجال مدني في المقام الأول، تُقام فيه الأنشطة الاقتصادية والعلمية. لكن هذا الخطاب بات الآن على وشك الانهيار، إذ لم يعد مُلائمًا لإعادة تشكيل البيئة الدولية بسرعة، حيث تُعبّر القوى العظمى عن طموحاتها بأسلوب متزايد الصرامة. وأوروبا، التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على القدرات الفضائية الأمريكية لأداء وظائف عسكرية حيوية، مُضطرة الآن لمواجهة التهديد الروسي في ظل انسحاب الولايات المتحدة.
يشهد العالم تحولاً ثقافياً. ويُعدّ إدراك هذا التهديد نقطة التقاء لأغلبية الدول الأوروبية. ويمكن لهذا الفهم المشترك أن يكون حافزاً قوياً لإعادة النظر بشكل جماعي في دور الفضاء في الدفاع عن القارة. وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا أهمية القدرات الفضائية في مضاعفة الفعالية العسكرية في العمليات القتالية. وفي حال وقوع صدمة كبيرة في السنوات القادمة، ستحتاج القوات المسلحة الأوروبية إلى قدرات في الاتصالات والملاحة والاستخبارات لا يمكن توفيرها إلا من خلال الفضاء. وقد تُوحي المقارنات المتكررة بين أوروبا والولايات المتحدة في قطاع الفضاء بشعور بالتراجع نتيجةً للفجوة في الإنجازات التكنولوجية. ومع ذلك، بالمقارنة مع روسيا، يتميز قطاع الفضاء الأوروبي بأداء عالٍ وكفاءة متميزة. إذ تضم أوروبا شركات عالمية المستوى، وقد رعت على مدى سنوات عديدة عدداً كبيراً من الشركات الناشئة المبتكرة. في المقابل، يعاني قطاع الفضاء الروسي من الفساد، ويفتقر إلى الابتكار، ويشهد تراجعاً منذ نهاية الحقبة السوفيتية.
تمتلك أوروبا اليوم جميع العناصر اللازمة لإنشاء نظام دفاع فضائي فعال. تمتلك قدرات صناعية كبيرة، وحوكمة فعّالة للمشاريع الضخمة، وخبرة فريدة في تطبيق لوائح طموحة. وهي مكتفية ذاتياً في جميع قطاعات النشاط الفضائي الأساسية للدفاع: الاتصالات، والملاحة، والاستخبارات، والوصول، والمراقبة، والعمليات في الفضاء.
تضم أوروبا إحدى أكبر مجموعتين من الأقمار الصناعية للاتصالات، وهي OneWeb، وتفتخر، بفضل نظام غاليليو، بأدق خدمة ملاحة فضائية في العالم. ورغم أن العديد من هذه القدرات طُوّرت للاستخدام المدني، إلا أنه يُمكن دمجها بسرعة في بنية عسكرية إذا اقتضت الظروف ذلك. لذا، من الضروري تجاوز النظرة المدنية والتجارية البحتة لشؤون الفضاء، وتبني بُعدها الاستراتيجي الذي أُهمل طويلًا في أوروبا. هذا التحول بات واضحًا بالفعل، إذ تُظهر العديد من الخطابات الأخيرة على المستويات الوطنية ووكالة الفضاء الأوروبية والاتحاد الأوروبي وعيًا متزايدًا.
فالمفاهيم التي كانت حساسة في السابق، مثل السيادة التكنولوجية والاستقلال الاستراتيجي وأمن المدار، تُطرح الآن بثقة أكبر. وهذا يُشير إلى تحول ثقافي جارٍ: فأوروبا بدأت تنظر إلى الفضاء ليس فقط كأداة تخدم المجتمع، بل أيضًا كركيزة أساسية لأمنها الجماعي. ويصاحب هذا الوضوح الجديد جهودٌ كبيرة في مجال الميزانية. فالاستراتيجيتان الفرنسية والألمانية، اللتان نُشرتا في الأسابيع الأخيرة، تُؤكدان على أهمية القدرات الفضائية للأمن الأوروبي. كما أعلن البلدان عن استثمارات ضخمة في مجالي الفضاء والدفاع.
على مستوى الاتحاد الأوروبي، يُنظر إلى تعيين مفوض للدفاع والفضاء كعلامة مشجعة، إذ اقترح إنشاء «درع فضائي» أوروبي. وقد حقق الاجتماع الوزاري لوكالة الفضاء الأوروبية، الذي عُقد يومي 26 و27 نوفمبر الماضي، نجاحًا باهرًا، حيث تم تأمين 99% من الميزانية المطلوبة.
وتشمل برامجه مبادرةً لتعزيز مرونة الفضاء الأوروبي، والتي تُراعي، ولأول مرة، الطبيعة المزدوجة لهذا المجال، المدني والعسكري على حد سواء. واليوم، لم تعد الانقسامات الأوروبية حول الفضاء العسكري قائمة. فهناك إدراك مشترك للتهديد الروسي الوجودي، الذي يُنذر بخطر نشوب حرب واسعة النطاق على الأراضي الأوروبية بحلول عام 2030. وقد نجحت أوروبا في بناء قطــاع فضائي عالمي المستوى على مدى العقود الماضية.
والآن، يقع على عاتقها بالكامل استخدامه لضمان الدفاع عن القارة.