محمد بن راشد: الأرقام تعكس قوة اقتصاد الإمارات، وفعالية خياراتها التنموية وثقة العالم بها
«مسبار الأمل».. ست سنوات من الريادة في استكشاف المريخ وبناء المعرفة
منذ انطلاقها في يوليو 2020، رسّخت مهمة الإمارات لاستكشاف المريخ «مسبار الأمل» مكانة دولة الإمارات كإحدى الدول الرائدة في قطاع الفضاء العالمي، بعدما أصبح أول مهمة عربية وإسلامية لاستكشاف كوكب آخر، ونجح في الوصول إلى مدار المريخ في 9 فبراير 2021، لتصبح الإمارات الدولة الخامسة عالمياً التي تنجح في الوصول إلى مدار الكوكب الأحمر في أول محاولة لها. ويمثل «مسبار الأمل» خطوة استراتيجية ضمن رؤية دولة الإمارات لبناء اقتصاد معرفي قائم على العلوم والتكنولوجيا المتقدمة، وتعزيز مكانتها كدولة رائدة في إنتاج المعرفة العلمية، وشريك فاعل ومساهم رئيسي في المجتمع العلمي الدولي.
مهمة علمية غير مسبوقة
صُمم «مسبار الأمل» بهدف تقديم صورة شاملة وغير مسبوقة عن الغلاف الجوي للمريخ، من خلال مدار علمي بيضاوي يتراوح بين نحو 20 ألفاً و43 ألف كيلومتر، يتيح له مراقبة الكوكب على مدار اليوم المريخي وخلال مختلف الفصول. وعلى عكس العديد من المهمات السابقة التي ركزت على دراسة مناطق محددة أو طبقات معينة من الغلاف الجوي، يدرس «مسبار الأمل» الغلاف الجوي المريخي كنظام متكامل، ما مكّنه من ربط الظواهر التي تحدث في الطبقات السفلى بالعمليات الجارية في الطبقات العليا، بما في ذلك حركة الطاقة والغازات وآليات فقدان الغلاف الجوي نحو الفضاء. ويعمل المسبار عبر ثلاثة أجهزة علمية متطورة هي: كاميرا الاستكشاف الرقمية، التي تلتقط صوراً عالية الدقة للمريخ ودراسة الطبقة السفلى من الغلاف الجوي للكوكب الأحمر بشكل مرئي، والمقياس الطيفي بالأشعة تحت الحمراء لدراسة درجات الحرارة وتوزيع الغبار وبخار الماء وبلورات الجليد في الغلاف الجوي السفلي والمتوسط، والمقياس الطيفي بالأشعة فوق البنفسجية لرصد الغلاف الجوي العلوي وعمليات هروب الغازات مثل الهيدروجين والأكسجين إلى الفضاء. وقد أسهم التكامل بين هذه الأجهزة في تقديم رؤية علمية جديدة حول كيفية تفاعل طبقات الغلاف الجوي للمريخ، وهو ما يمثل أحد أبرز الإسهامات العلمية للمهمة.
بيانات علمية عالمية تتجاوز 10 تيرابايت
منذ دخوله مدار المريخ، نجح «مسبار الأمل» في بناء أرشيف علمي غير مسبوق حول الغلاف الجوي للكوكب الأحمر، حيث تجاوز حجم البيانات العلمية التي جمعها وأتاحها للمجتمع العلمي الدولي 10 تيرابايت من المعلومات. وأصدرت المهمة حتى اليوم 16 دفعة من البيانات العلمية المفتوحة عبر مركز البيانات العلمية التابع للمشروع، لتكون متاحة مجاناً للباحثين والجامعات والمؤسسات العلمية حول العالم.
واستفادت من هذه البيانات أكثر من 200 مؤسسة بحثية وجامعة دولية، فيما أسهمت مخرجات المهمة في نشر أكثر من 35 ورقة علمية محكّمة في مجلات علمية دولية مرموقة. كما قدم فريق المهمة أكثر من 250 عرضاً علمياً في مؤتمرات وملتقيات محلية ودولية، ما عزز حضور دولة الإمارات في منظومة البحث العلمي العالمي. وعلى الصعيد المحلي، عززت المهمة منظومة البحث العلمي في دولة الإمارات من خلال شراكات بحثية مع جامعة الإمارات العربية المتحدة وجامعة نيويورك أبوظبي، أسهمت في توظيف بيانات «مسبار الأمل» في الدراسات العلمية والأبحاث المشتركة، بما يدعم بناء القدرات الوطنية وتطوير المعرفة في علوم الفضاء والكواكب.
اكتشافات علمية تعيد فهم الكوكب الأحمر
حقق «مسبار الأمل» سلسلة من الاكتشافات العلمية النوعية التي أضافت معلومات جديدة إلى المعرفة البشرية حول المريخ، ومن أبرزها الكشف عن عن أنماط غير مسبوقة من الشفق القطبي على المريخ، بما في ذلك الشفق المتعرّج والشفق المتناثر، وهي ظواهر ساعدت العلماء على فهم التفاعلات بين الغلاف الجوي المريخي والرياح الشمسية والمجال المغناطيسي للكوكب.
كما نجح المسبار في التقاط صور وبيانات عالية الدقة للقمر الأصغر للمريخ «ديموس»، مقدماً أول رصد قريب ومتكامل لهذا القمر من منظور جديد، والتي تساعد على دراسة طبيعة «ديموس» وتركيبه وأصله، وفتحت المجال أمام أبحاث جديدة حول أقمار المريخ وتاريخ تكوّن النظام الشمسي.
وفي إنجاز علمي استثنائي، وجّه «مسبار الأمل» أجهزته نحو الفضاء العميق لرصد المذنب 3I/ATLAS، وهو ثالث جرم سماوي معروف يأتي من خارج النظام الشمسي. والتقط المسبار صوراً للمذنب باستخدام كاميرا الاستكشاف الرقمية والمقياس الطيفي بالأشعة فوق البنفسجية، ما وفر للعلماء فرصة نادرة لدراسة مادة قادمة من منظومة نجمية أخرى وفهم الاختلافات بين الأنظمة الكوكبية.
تمديد المهمة حتى عام 2028
وفي فبراير 2026، أعلنت وكالة الإمارات للفضاء تمديد مهمة «مسبار الأمل» لمدة ثلاثة أعوام إضافية حتى عام 2028، وذلك بعد النجاح الكبير الذي حققته المهمة واستمرار أجهزتها العلمية في العمل بكفاءة عالية. ويهدف التمديد إلى مواصلة جمع البيانات أوسع حول مناخ المريخ والغلاف الجوي، ودراسة التغيرات الموسمية والظواهر الجوية. كما يوفر التمديد فرصة مهمة لتعزيز الخبرات التشغيلية للفريق الوطني، ودعم جاهزية الكوادر الوطنية للمهمات المستقبلية، وفي مقدمتها مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات المقرر إطلاقها في عام 2028.
ست سنوات من الإنجاز
بعد ست سنوات من انطلاقه، يواصل «مسبار الأمل» تقديم نموذج إماراتي فريد يجمع بين الطموح العلمي والاستثمار في الإنسان والتعاون الدولي. فمن خلال بياناته المفتوحة، واكتشافاته العلمية، وتأهيله لجيل جديد من العلماء والمهندسين، أصبح «مسبار الأمل» منصة وطنية لترسيخ حضور دولة الإمارات في مستقبل الفضاء العالمي.
ومع تمديد مهمته حتى عام 2028، يستمر «مسبار الأمل» في كتابة فصل جديد من قصة الإمارات مع الفضاء، مؤكداً أن استكشاف الكون يبدأ بالمعرفة، وأن الطموح العلمي لا يعرف حدوداً.