رئيس الدولة وأمير قطر يبحثان خلال اتصال هاتفي العلاقات الأخوية والتطورات الإقليمية
بريطانيا.. لماذا أعرض الناخبون «الويلزيون» عن حزب العمال؟
أكدت صحيفة الغارديان أن حزب العمال البريطاني يواجه واحدة من أكبر أزماته السياسية في ويلز منذ أكثر من قرن، بعد خسارة تاريخية في انتخابات البرلمان الويلزي «سينيد»، أنهت فعلياً هيمنة الحزب على الحياة السياسية الويلزية وفتحت الباب أمام صعود القوى القومية المؤيدة للاستقلال، في تحول يعكس تراجع الثقة الشعبية بأداء الحزب على المستويين المحلي والبريطاني.
وبحسب الصحيفة، فإن الحزب الذي شكّل لعقود العمود الفقري للمشهد السياسي في ويلز، تراجع إلى المركز الثالث بحصوله على 9 مقاعد فقط من أصل 96 مقعداً في البرلمان الويلزي الموسع، مقارنة بتاريخ طويل لم يهبط فيه تمثيله سابقاً إلى ما دون 26 مقعداً حتى في النسخ الأصغر من البرلمان.
هذا التراجع غير المسبوق دفع حزب «بلايد كامرو» القومي إلى صدارة المشهد السياسي، مع توقعات بتشكيل حكومة أقلية للمرة الأولى؛ ما يفتح فصلاً جديداً في التاريخ السياسي والثقافي لويلز بعد أكثر من 100 عام من سيطرة حزب العمال. ونقلت الصحيفة عن ريتشارد وين جونز، مدير مركز حوكمة ويلز في جامعة كارديف، قوله إن ما حدث «يصعب استيعاب حجمه»، مضيفاً أن انهيار الحزب كان «كاملاً وصادماً»، خصوصاً في المناطق الصناعية التاريخية التي شكّلت لعقود الخزان الانتخابي الرئيس للعمال.
وأضاف أن المفاجأة الكبرى تمثلت في خسائر الحزب داخل العاصمة كارديف، حيث تمكن «بلايد كامرو» من حصد نصف المقاعد المطروحة تقريباً؛ وهو ما اعتبره مؤشراً على تآكل النفوذ التقليدي للحزب حتى داخل مناطقه الأكثر استقراراً انتخابياً.
أزمات الخدمات العامة
أفادت «الغارديان» بأن التراجع الانتخابي لا يرتبط فقط بحالة الإرهاق السياسي الناتجة عن البقاء الطويل في السلطة، بل أيضاً بتصاعد الانتقادات المرتبطة بأداء الحكومات الويلزية المتعاقبة في ملفات الخدمات العامة، لا سيما الصحة والتعليم ومعدلات الفقر.
وبات قطاع الصحة في ويلز يُنظر إليه باعتباره الأقل كفاءة بين أقاليم المملكة المتحدة، رغم الزيادات الكبيرة في الإنفاق الحكومي، فيما تعمقت الضغوط المرتبطة بتراجع مستويات التعليم واتساع الفجوات الاقتصادية والاجتماعية.
وتحوّلت هذه الملفات تدريجياً إلى عبء انتخابي ثقيل على الحزب، بعدما فقد قدرته على إقناع الناخبين بأن استمرار بقائه في السلطة ينعكس تحسناً فعلياً على جودة الخدمات أو مستويات المعيشة.
كما ساهم وصول كير ستارمر إلى رئاسة الحكومة البريطانية في زيادة الضغوط على فرع الحزب في ويلز، مع تراجع قدرة حكومة كارديف على تحميل المحافظين مسؤولية الإخفاقات المحلية كما كان يحدث خلال السنوات الماضية.
توتر العلاقة مع لندن
شهدت العلاقة بين حكومة ويلز وحكومة لندن بقيادة حزب العمال توتراً متزايداً خلال الأشهر الأخيرة، وسط اتهامات داخلية موجهة إلى ستارمر بإظهار «تجاهل» للقضايا الويلزية وعدم الوفاء بتعهدات مرتبطة بتوسيع صلاحيات الحكم الذاتي.
وأشارت الصحيفة إلى أن 11 عضواً من حزب العمال في البرلمان الويلزي وجّهوا العام الماضي رسالة مباشرة إلى رئيس الوزراء البريطاني، اتهموا فيها حكومته بأنها تعاملت مع ويلز إما بـ»حساسية سياسية ضعيفة» أو بـ»تجاوز دستوري»، بسبب ملفات مرتبطة بالشرطة والقضاء وإدارة الأصول السيادية.
وقال ألون ديفيز، أحد أبرز أعضاء الحزب الخاسرين في الانتخابات، إن الهزيمة «صُنعت داخل داونينغ ستريت»، متهماً ستارمر بالتعامل مع ويلز بدرجة عالية من «التجاهل السياسي».
وأضاف ديفيز أن ما حدث لا يمكن وصفه بأنه مجرد «تصويت احتجاجي مؤقت» أو تعبير عن استياء عابر، بل يمثل تحولاً عميقاً في العلاقة التاريخية بين المجتمع الويلزي وحزب العمال، الذي ارتبط لعقود طويلة بالهوية السياسية والاجتماعية للبلاد.
استقالة رئيسة الحكومة
وفي واحدة من أكثر اللحظات السياسية رمزية في الانتخابات، خسرت رئيسة الحكومة الويلزية إلوند مورغان مقعدها الانتخابي في دائرة «كيريديجيون بينفرو»، لتصبح أول رئيس حكومة في المملكة المتحدة يخسر مقعده أثناء توليه المنصب.
وأعلنت مورغان استقالتها فور صدور النتائج، مؤكدة في خطابها أن الناخبين «رفضوا حزب العمال»، وأن الحزب مطالب الآن بفهم أسباب هذا التحول وإعادة بناء علاقته مع المجتمع الويلزي. ورغم الهزيمة، حظيت مورغان بتصفيق طويل خلال إعلان النتائج، فيما أشاد خصومها السياسيون بحملتها الانتخابية وبمسيرتها الطويلة في العمل العام، معتبرين أن الأزمة تتجاوز أداءها الشخصي وترتبط بتآكل أعمق في صورة الحزب.
صعود الهوية الويلزية
وتعكس نتائج الانتخابات أيضاً تصاعد النزعة القومية الويلزية خلال السنوات الأخيرة، مع ارتفاع أعداد الناخبين الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم «ويلزيون أولاً» قبل أي انتماء بريطاني؛ ما عزز جاذبية الخطاب السياسي لحزب «بلايد كامرو».
ونقلت الغارديان عن لورا ماكاليستر، أستاذة السياسات العامة في جامعة كارديف، قولها إن حزب العمال لن يتمكن من استعادة موقعه التقليدي ما لم ينجح في إعادة بناء «هوية ويلزية مستقلة» أكثر وضوحاً داخل الحزب، بعيداً عن التبعية السياسية الكاملة لقيادة لندن.
وأضافت أن الحزب بحاجة إلى استعادة نموذج «المسافة السياسية الواضحة» الذي تبناه في بدايات الحكم الذاتي، عندما حاول تقديم نفسه باعتباره حزباً ويلزياً بخصوصية محلية مختلفة عن حزب العمال البريطاني المركزي.