بلطجة إيران تخنق شرايين النفط.. العالم يتألم والحلول مجمَّدة

بلطجة إيران تخنق شرايين النفط.. العالم يتألم والحلول مجمَّدة


في لحظة دولية شديدة الحساسية، يتقدّم مضيق هرمز إلى واجهة المشهد كأخطر بؤرة اختناق للاقتصاد العالمي، وسط تصاعد غير مسبوق في التوترات المرتبطة بحرية الملاحة وتدفق الطاقة. وبينما تتراكم الخسائر بمئات المليارات وتلوح في الأفق تداعيات قد تتجاوز تريليونات الدولارات، تتكشف أبعاد الأزمة ليس فقط كصراع جيوسياسي، بل كاختبار حقيقي لقواعد النظام الدولي وقدرته على حماية الممرات الحيوية.
وفي هذا السياق، يقدّم رئيس وحدة العلاقات الدولية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أحمد قنديل قراءة تحليلية دقيقة، ترصد أبعاد السلوك الإيراني، وانعكاساته القانونية والاقتصادية، وحدود الاستجابة الدولية في مواجهة أزمة تهدد شرايين الاقتصاد العالمي.
يرى أحمد قنديل أن المشهد يعكس توجهاً إيرانياً واضحاً نحو «اختطاف « ممر ملاحي حيوي يعتمد عليه الاقتصاد العالمي في تدفق الطاقة.
ويؤكد أن هذا السلوك يأتي في سياق أوسع يرتبط باستمرار البرامج النووية والصاروخية، والسعي إلى التوسع الإقليمي، إلى جانب محاولة تعظيم الإيرادات عبر فرض رسوم على الملاحة.
ويشير إلى أن هذه الممارسات تمثل، وفق توصيفه، «بلطجة قانونية غير مسبوقة»، تهدف إلى نقل تداعيات الأزمة إلى كل منزل حول العالم، عبر التأثير المباشر على أسعار الطاقة والسلع الأساسية.

رفض دولي واسع
يبرز قنديل إجماعاً دولياً رافضاً لهذه الممارسات، حيث ترفض الولايات المتحدة وأوروبا بشكل قاطع فرض رسوم على الملاحة، كما تتبنى دول الخليج موقفاً موحداً في هذا الاتجاه. غير أن هذا الرفض لا يترجم إلى تحرك عسكري مباشر، بسبب المخاوف من تصعيد واسع قد يقود إلى تداعيات اقتصادية أكثر حدة.
ويؤكد أن هذا الجمود يعكس معادلة معقدة: رفض سياسي وقانوني حاسم، يقابله عجز عملي عن فرض حرية الملاحة بالقوة، تجنباً لانزلاق إقليمي واسع.
يستند قنديل إلى إطار قانوني واضح، مشيراً إلى أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وتحديداً المادة 38، تكفل حق المرور العابر الحر والسريع في المضايق الدولية، مع حظر تعطيل الملاحة من قبل الدول المشاطئة.
كما تنص المادة 26 على عدم جواز فرض رسوم على المرور، إلا في مقابل خدمات محددة مثل الإرشاد أو الإنقاذ، وبشرط عدم التمييز بين الدول. ويؤكد أن الممارسات الإيرانية، كما رُصدت، تخالف هذه القواعد، خاصة في ظل السماح الانتقائي لبعض السفن بالمرور دون رسوم، مقابل التشدد مع أخرى.

يفكك قنديل التأثيرات الاقتصادية
 للأزمة عبر ثلاثة مستويات رئيسية:
أولاً: التأثير الفوري
يتمثل في الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز والسلع الأساسية، نتيجة تضاعف تكاليف التأمين والشحن، والتي ارتفعت بنحو 1000 بالمئة خلال ثمانية أسابيع، ما انعكس مباشرة على الأسعار العالمية.
ثانياً: اختلال المعروض النفطي
يشير إلى أن المضيق كان يمر عبره نحو 21 مليون برميل يومياً، ما يجعل أي تعطيل لحركته سبباً مباشراً في تقليص الإمدادات العالمية ورفع الأسعار.
ثالثاً: أزمة الغاز الطبيعي المسال
وهي الأكثر حدة، إذ لا توجد بدائل حقيقية لنقل الغاز المسال خارج هذا الممر، ما أدى إلى توقف تدفقات رئيسية، وانفجار الأسعار بشكل غير مسبوق.
بدائل محدودة… 
وأزمة بلا حل جذري
يشدد قنديل على أن البدائل المتاحة لا تمثل حلولاً حقيقية، بل «مسكنات مؤقتة»، إذ لا تعوض سوى نحو 30 بالمئة من الكميات التي كانت تمر عبر المضيق. ويؤكد أن العالم لا يزال يواجه عنق زجاجة حقيقياً في إمدادات الطاقة، دون وجود بديل كامل في المدى الراهن.

حسابات القوى الكبرى: مصالح
 متباينة واستراتيجيات حذرة
يوضح قنديل أن الصين، رغم تضررها من ارتفاع تكاليف الاستيراد، تستفيد استراتيجياً من انخراط الولايات المتحدة في الأزمة، وما يترتب عليه من استنزاف لقدراتها، بما يخفف الضغط عن مناطق حيوية للصين.
 كما تفضّل بكين اعتماد دبلوماسية هادئة، دون الضغط العلني على إيران، في ظل شراكة استراتيجية طويلة الأمد.
أما أوروبا، فتتبنى مقاربة تقوم على تفضيل «الألم الاقتصادي» على الانخراط العسكري، خشية تعريض مصالحها لهجمات مباشرة، أو تقويض دورها الدبلوماسي في أي مفاوضات نووية مستقبلية. كما تعاني من محدودية في القدرات العسكرية المتاحة، إضافة إلى انقسامات سياسية داخلية بين مؤيد ومعارض للتدخل.