بوابة الحرب.. العراق في «قلب العاصفة» بعد ضربات إيرانية

بوابة الحرب.. العراق في «قلب العاصفة» بعد ضربات إيرانية

دخل التصعيد العسكري ضد إيران مرحلة تتجاوز توصيف الضربة المركزة، فعلى الرغم من أن البيانات العسكرية تحدثت عن أهداف محددة، غير أن عدد المواقع التي دخلت بنك الاستهداف خلال الأيام الأولى، وحجم الموارد المسخرة للعملية، يعكسان مسارًا يتشكل على مراحل. هذا التدرج يضع النقاش في موقع مختلف من حيث إن طبيعة العملية تُقاس بالمدى الذي تفرضه ديناميتها على الأرض.
وفي تطور مرتبط بطبيعة إدارة الالتحام العسكري الراهن، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات علنية، يوم الثلاثاء، أكد فيها أن القوات الأمريكية قد تتضمن نشر وحدات برية في إيران "إذا اقتضت الضرورة"، وأن هذا الخيار لا يزال مطروحًا في سياق العمليات الجارية.
التصريحات التي نُشرت عبر وسائل إعلام أمريكية، نقلت عن ترامب قوله إنه لا يستبعد استخدام قوات برية في حال استمرار الحاجة لتنفيذ أهداف عسكرية أو لضمان السيطرة على نتائج العمليات، في أعقاب الضربات الجوية المكثفة التي تستهدف مواقع متعددة داخل إيران، بعد أن بدأت واشنطن وتل أبيب ضرباتهما المشتركة. 

خيار القوات البرية وتوسّع الالتزام الزمني
الربط بين هذا الخيار وفاعلية تحقيق الأهداف المعلنة في المبادرة العسكرية الحالية عامل مهم في تقييم مسار المواجهة؛ فقد أكدت صيغ التصريحات نفسها استمرار العمليات حتى "تحقيق الأهداف"، مع توقّعات بإمكانية امتداد فترة العمل العسكري لما بعد الخطط الأولية التي تحدثت عن أسابيع.
لذا، فإن وجود خيار القوات البرية في المخطط الاستراتيجي، حتى لو كان مشروطًا، يظهر أن القيادة الأمريكية تدرس إمكانية إدارة تصعيد أوسع نطاقًا يعتمد على موارد متعددة، ما يتقاطع مع فكرة أن المواجهة قد تكبر في منطقها الزمني والعملي عن الإطار الأولي المعلن.
في حين تُقدّم تجربة العراق عام 2003 نموذجًا لتحول مشابه في البنية، لا سيما أن العملية هناك بدأت تحت سقف هدف عسكري واضح، غير أن التطورات الميدانية دفعت باتجاه توسيع الالتزام، ثم تولدت عنها إدارة طويلة الأمد للأمن والسياسة وإعادة بناء المؤسسات. حيث كان التحول نتاج تتابع قرارات فرضها الميدان.

من الأهداف العملياتية إلى تعقيدات المعادلة الإقليمية
الخطاب الأمريكي الحالي يركز على تحجيم القدرات الصاروخية الإيرانية، وتعطيل بنى عسكرية، ومنع تطور برامج استراتيجية، إلا أن تنفيذ هذه الأهداف يتطلب استمرارية في الضغط العملياتي، وتأمين انتشار عسكري في محيط مسرح العمليات، وإدارة ردود متوقعة من أطراف مرتبطة بطهران.
وحتى الآن، تظهر المؤشرات المتاحة توسعًا في نطاق الاستهداف، وتحريك وحدات إضافية، وتعزيز الدفاعات في قواعد إقليمية.
هذا المسار يخلق التزامًا عمليًا يتجاوز الضربة الأولى، فكل توسع في بنك الأهداف يولد احتياجات حماية إضافية، ويضيف طبقة جديدة من التعقيد اللوجستي والسياسي.
وأظهرت تجربة العراق أن إزالة قدرات أو إسقاط بنى لا يحسم إدارة البيئة السياسية التي تنتجها. وفي الحالة الإيرانية، فإن أي مسعى لفرض قيود دائمة على برامج استراتيجية يضع نفسه أمام معادلة سياسية داخلية معقدة في طهران. 
إن تحقيق أهداف عسكرية مستدامة يقترب تلقائيًا من مسألة إعادة تشكيل مراكز القرار أو التأثير فيها.
ويختلف المشهد الإقليمي اليوم عن مطلع الألفية من حيث تشابك المصالح وتعدد اللاعبين الدوليين.
كذلك، هناك حضور قوى كبرى أخرى في الإقليم، وتشابك ملفات الطاقة والتجارة، ما يمنح أي مواجهة بعدًا يتجاوز طرفيها المباشرين.
وفي الوقت نفسه، تمتلك إيران قدرات عسكرية موزعة ومتعددة المستويات، مع شبكات رد غير مباشر تعمل عبر ساحات إقليمية مختلفة.
حدود ضبط سقف العمليات
يرى الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط والخليج، حسين عبد الحسين، في حديث لـ"إرم نيوز"، أن النقاش حول احتمال تكرار مسار العراق يرتبط بطبيعة الأهداف الموضوعة للحملة الحالية ومدى اتساعها مع الوقت.
وفي تقديره، كلما توسّع بنك الأهداف ليتجاوز البنية الصاروخية المباشرة نحو منظومات القيادة والسيطرة والبنية التحتية العسكرية الحساسة، دخلت العمليات في مساحة زمنية أطول بحكم الضرورة العملياتية. 
ويعتبر أن الفارق الجوهري بين عملية محدودة وحرب ممتدة يكمن في مسألة الالتزام البري والانتشار الثابت.
وتابع الحسين بالقول: "زيادة عدد القواعد التي تدخل في حالة جهوزية، وتأمين خطوط الإمداد، ورفع مستوى الحماية للقوات، كلها عناصر تخلق واقعًا يصعب تقليصه سريعًا.
هذا الواقع يمكن أن يولّد التزامًا يتجاوز إطار الضربات الجوية، ويحوّل الحملة إلى إدارة مسرح عمليات واسع".
وبالنسبة إليه، المسألة الأساسية تكمن في القدرة على ضبط سقف العمليات، معتبرًا أن كل جولة ردّ تخلق مطالب أمنية إضافية، ومع تراكم هذه المطالب، يرتفع مستوى الانخراط العسكري، ويصبح الانسحاب أو تقليص العمليات قرارًا معقدًا من الناحية السياسية والعسكرية. 

كلفة الامتداد الإقليمي
في حين اعتبرت المحللة السياسية في الشأن الإقليمي، غادة حلاوي، في حديث لـ"إرم نيوز"، أن الحديث عن "نموذج العراق" يرتبط بمسألة المدى الزمني والتكلفة السياسية.
ولفتت إلى أن التجربة العراقية أظهرت أن العمليات العسكرية قد تبدأ بأهداف محددة، ثم تدخل في مرحلة إدارة واقع أمني معقد. أما في الحالة الراهنة، فإن طبيعة التداخل الإقليمي، من الخليج إلى شرق المتوسط، تضع أي حملة عسكرية ضمن سياق متعدد الساحات، وفق تقديرها.
وقالت حلاوي: "هذا التعدد يجعل مسألة الضبط أكثر حساسية، لأن كل ساحة تحمل ديناميكياتها الخاصة".
وأشارت إلى أن البيئة الاستراتيجية الحالية تختلف من حيث كثافة التشابك بين القوى الدولية والإقليمية.
وتابعت حلاوي بالقول: "أمن الطاقة، خطوط الملاحة، وحسابات الردع المتبادل عوامل تدخل مباشرة في تقدير المدى المقبول للتصعيد؛ أي توسّع في العمليات ينعكس فورًا على الأسواق، ما يمكن أن يفرض قيودًا إضافية على القرار العسكري".