لبنان في دائرة الصراع.. خلافات فرنسية ألمانية «تفرمل» طموحات بروكسل

لبنان في دائرة الصراع.. خلافات فرنسية ألمانية «تفرمل» طموحات بروكسل

في وقت يدرس فيه الاتحاد الأوروبي توسيع حضوره الأمني في الشرق الأوسط عبر مهمة محتملة لدعم القوات المسلحة اللبنانية، تواجه طموحات التكتل لبناء منظومة دفاعية مستقلة تحديات متزايدة داخل القارة نفسها، مع تصاعد الخلافات الفرنسية الألمانية بشأن مستقبل عدد من مشاريع التسليح الاستراتيجية.
ويعكس التزامن بين التحرك الأوروبي المقترح في لبنان والأزمات التي تواجه برامج التصنيع العسكري المشتركة حجم التحديات التي تعترض مساعي بروكسل لترسيخ دور أمني وعسكري أكثر استقلالاً، في ظل بيئة دولية وإقليمية تشهد تحولات متسارعة. 

مهمة أوروبية 
لدعم الجيش اللبناني
بحسب وثيقة صادرة عن دائرة العمل الخارجي الأوروبي، يدرس الاتحاد الأوروبي إطلاق مهمة عسكرية ومدنية لمدة 3 سنوات لتقديم المشورة والتدريب للقوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي.
ووفق الوثيقة، تهدف المهمة إلى دعم السلطات اللبنانية في تعزيز السيطرة على الأراضي وأمن الحدود، من خلال تطوير قدرات أفواج حرس الحدود البرية ووحدات القوات المتنقلة وقوات الدرك، إضافة إلى تعزيز قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والأمن البحري وإدارة أمن الحدود والموانئ.
ولا تزال المبادرة بحاجة إلى موافقة الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي، إلا أنها تعكس توجهًا أوروبيًا متناميًا نحو لعب دور أكبر في دعم الاستقرار الأمني في لبنان، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها المنطقة والتوترات المستمرة على الحدود اللبنانية.

لبنان في قلب الحسابات الأمنية الأوروبية
يرى مراقبون أن الاهتمام الأوروبي المتزايد بلبنان لا يرتبط فقط بالأوضاع الأمنية الداخلية، بل يمتد إلى اعتبارات أوسع تشمل أمن البحر المتوسط، ومكافحة الهجرة غير النظامية، وحماية طرق التجارة والطاقة.
وقال مصدر دبلوماسي أوروبي مطلع لـ»إرم نيوز» إن المقترح المطروح لا يتضمن نشر قوات قتالية أوروبية، بل يركز على بناء قدرات المؤسسات الأمنية اللبنانية وتعزيز قدرتها على ضبط الحدود ورفع كفاءة العمل الأمني.
وأضاف أن الاتحاد الأوروبي ينظر إلى استقرار لبنان باعتباره جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي في شرق المتوسط، مشيراً إلى أن أي دعم محتمل سيتم بالتنسيق الكامل مع السلطات اللبنانية ووفقاً لأولوياتها الأمنية

خلافات تعصف بمشاريع التسلح الأوروبية
في المقابل، تواجه مساعي الاتحاد الأوروبي لتعزيز قدراته الدفاعية المشتركة تحديات داخلية متزايدة، خصوصاً بين فرنســــا و ألمانيـــــا اللتين تقودان أبـــــــرز مشــــــاريع التســلح الأوروبية.
وتتركز الخلافات حول برنامج الدبابة الأوروبية المستقبلية MGCS ومشروع المقاتلة الأوروبية من الجيل السادس FCAS (SCAF)، وهما المشروعان اللذان يُنظر إليهما باعتبارهما حجر الأساس في مستقبل الصناعة الدفاعية الأوروبية. وتشير تقارير أوروبية إلى أن البرنامجين يواجهان تأخيرات متكررة وخلافات تتعلق بتوزيع الأدوار الصناعية والملكية الفكرية والقيادة التكنولوجية؛ ما أثار تساؤلات بشأن مستقبل التعاون الدفاعي بين أكبر قوتين عسكريتين داخل الاتحاد الأوروبي.
 KNDS
 صراع  النفوذ داخل
 الصناعة العسكرية
وتزامناً مع هذه الخلافات، أعلنت باريس وبرلين التوصل إلى اتفاق بشأن استراتيجية وحوكمة مجموعة KNDS، إحدى أكبر شركات الصناعات الدفاعية الأوروبية، والتي تضم منتجي مدفع «قيصر» الفرنسي، ودبابة «ليوبارد 2» الألمانية.
وبموجب الاتفاق، ستملك فرنسا وألمانيا حصصًا متساوية تقريباً داخل الشركة، فيما سيتم طرح جزء من رأس المال في البورصة خلال الفترة المقبلة.
وبالرغم من تأكيد الحكومتين أن الخطوة تستهدف تعزيز التعاون الدفاعي الأوروبي، فإن عـــددًا من المراقبين يـرون أنها تعكس أيضًـــــا حجم التنافس المتزايد على قيادة الصناعات العسكرية الأوروبية في ظــــل الارتفـــاع الكبير في الإنفاق الدفاعي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
وقال مصدر برلماني أوروبي لـ»إرم نيوز» إن الخلافات الفرنسية الألمانية لا تعني انهيار التعاون الدفاعي الأوروبي، لكنها تكشف حجم التنافس بين العواصم الكبرى على قيادة الصناعات العســـكرية المســتقبلية داخل القارة.
وأوضح أن برامج التسليح المشتركة أصبحت تواجه تحديات متعلقة بتوزيع التكنولوجيا وحصص الإنتاج والتمويل، محذرًا من أن استمرار التأخير في بعض المشاريع الاستراتيجية قد يدفع دولاً أوروبية إلى البحث عن بدائل وطنية أو شراكات ثنائية خارج الأطر التقليدية للاتحاد الأوروبي.

اختبار صعب
 للاستقلال الدفاعي
ويكشف تزامن التحرك الأوروبي في لبنان مع الخلافات المتصاعدة داخل قطاع الصناعات الدفاعية عن مفارقة واضحة تواجه الاتحاد الأوروبي..
 فبينما يسعى التكتل إلى توسيع حضوره الأمني خارج حدوده وتعزيز دوره في إدارة الأزمات الإقليميـــــة، لا تــــــزال الدول الأعضاء تواجه صعوبات في بناء قاعــــدة صناعية وعسكرية موحدة.
ويرى خبراء أن نجاح أوروبا في لعب دور أمني أكبر خلال السنوات المقبلة لن يتوقف فقط على قدرتها على إدارة الأزمات الخارجية، بل أيضاً على تجاوز الخلافات السياسية والصناعية بين الدول الكبرى وتحويـــــــل مشــــــاريع التعاون الدفـــــــــاعي إلى واقــــع عملي يدعـــــــم طموحـــــات الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.
وفي ظل استمرار النقاشات بشأن المهمة الأوروبية المقترحة في لبنان ومســـتقبل برامـج التسلح المشتركة، يبدو أن مشروع الدفاع الأوروبي يقف أمام اختبار حقيقي سيحدد إلى حد كبير قدرة الاتحاد على التحول من قـــــوة اقتصاديـــــــة كبرى إلى فاعل أمني وعسكري أكثــــــــر تأثيـراً على الساحة الدولية.