من الصواريخ إلى الردع النووي.. ملفات تفجر أزمة موسكو وأوسلو
دخلت العلاقات الروسية النرويجية مرحلة جديدة من التوتر بعد التحذير الصادر عن السفارة الروسية في أوسلو، والذي أكدت فيه أن الخطوات النرويجية الأخيرة «لن تمر دون رد عسكري وتقني مناسب».
وجاء التهديد الروسي، على خلفية مجموعة من الإجراءات الدفاعية والعسكرية التي أعلنتها النرويج خلال الأيام الأخيرة.
وكان رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره، أعلن انضمام بلاده إلى المظلة النووية الفرنسية وتوقيع اتفاقية دفاع مشترك بين باريس وأوسلو عُرفت باسم «اتفاقية نارفيك»، والتي تنص على تقديم الدعم المتبادل بين البلدين في حال التعرض لتهديدات أمنية أو عسكرية. وكانت الحكومة النرويجية قد أعلنت في مطلع العام الجاري اختيار شركة «هانهوا» الكورية الجنوبية لتزويد الجيش النرويجي بمنظومة الصواريخ متعددة الفوهات K239 Chunmoo، ضمن صفقة تبلغ قيمتها نحو 922 مليون دولار، وتشمل 16 منصة إطلاق وذخائر موجهة يصل مداها إلى نحو 500 كيلومتر. وأوضحت السفارة الروسية في أوسلو، أن اعتراض موسكو لا يقتصر على منظومات الصواريخ وحدها، بل يشمل أيضًا التعاون النرويجي الفرنسي في مجالات الردع النووي وتبادل المعلومات الأمنية والعسكرية.
وأكدت أن هذه التحركات تُصنف، من وجهة النظر الروسية، ضمن الإجراءات التي تؤثر بصورة مباشرة في أمن روسيا، مضيفة أن طبيعة الرد وآلياته تبقى من اختصاص وزارة الدفاع الروسية. وتحتل شبه جزيرة كولا موقعًا أساسيًا في خلفية هذا التوتر، خاصة أن المنطقة الواقعة شمال غربي روسيا تضم قواعد بحرية استراتيجية وأسطول الشمال الروسي، إضافة إلى عدد من القدرات النووية الروسية المهمة، بما في ذلك الغواصات النووية ومنظومات الردع الاستراتيجي.
إعادة تموضع
ورأى الدكتور ميرزاد حاجم، مدير مركز الدبلوماسية الشعبية والخبير في مركز البحوث العلمية والاستشارات التطبيقية بروسيا، أن التحذير الصادر عن السفارة الروسية في أوسلو بشأن اتخاذ «رد عسكري وتقني» لا يمكن فصله عن التطورات المتسارعة في منطقة القطب الشمالي. وقال حاجم في تصريح لـ»إرم نيوز»، إن الحديث الروسي لا يرتبط بإعلان مواجهة عسكرية مباشرة، وإنما يندرج ضمن مفهوم إعادة تشكيل معادلات الردع وإعادة التموضع الاستراتيجي في المناطق الحساسة للأمن القومي الروسي. وأشار إلى أن المقصود بالإجراءات العسكرية والتقنية يتمثل في مجموعة من الأدوات التي تشمل تعزيز القدرات الدفاعية والهجومية عبر نشر منظومات صاروخية متطورة، وزيادة الحضور البحري بالقرب من الحدود النرويجية، وتوسيع استخدام وسائل الحرب الإلكترونية والتشويش على أنظمة الاستطلاع والمراقبة الغربية. وأضاف حاجم، أن المخاوف الروسية ترتبط بشكل خاص بأمن شبه جزيرة كولا التي تضم مراكز حيوية لعمل الأسطول الشمالي الروسي وقوة الردع النووي، إذ تنظر موسكو إلى أي توسع في شبكات الاستشعار أو الوجود العسكري الغربي باعتباره تهديدًا مباشرًا لقدراتها الاستراتيجية.
وأوضح أن القلق الروسي يتزايد أيضًا بسبب التعاون الفرنسي - النرويجي في مجالات الاستخبارات البحرية وحرب الغواصات، إلى جانب المنافسة المتنامية على الممرات البحرية في القطب الشمالي مع تزايد أهمية طريق بحر الشمال تجاريًا.
وأضاف أن أي تصعيد مستقبلي سيأخذ في الغالب طابع الحرب الهجينة، من خلال الهجمات السيبرانية وعمليات التشويش والاحتكاكات الجوية والبحرية المحدودة، مع احتمال تعرض البنية التحتية البحرية والكابلات وخطوط الطاقة لمخاطر متزايدة.
«المنطقة الرمادية»
من جانبه، قال الدكتور مهند رضوان، خبير العلاقات الدولية، إن التصريح الروسي المتعلق بالرد العسكري والتقني على التحركات النرويجية، يتجاوز إطار التهديدات التقليدية المرتبطة بالحروب المباشرة، ويدخل ضمن ما يعرف بحروب «المنطقة الرمادية» التي تعتمد على أدوات الضغط والتأثير دون الوصول إلى مستوى المواجهة العسكرية المفتوحة.
وأكد رضوان في تصريح لـ»إرم نيوز»، أن موسكو تسعى من خلال هذه الرسائل إلى اختبار حدود رد الفعل داخل حلف الناتو وقياس قدرة الحلف على التعامل مع أنماط جديدة من الصراعات التي تجمع بين الأبعاد العسكرية والتقنية والاستخباراتية.
وأوضح خبير العلاقات الدولية أن مفهوم الرد العسكري في العقيدة الروسية يشمل إعادة تموضع القوات في القطب الشمالي، وتكثيف دوريات الغواصات النووية التابعة لأسطول الشمال، ونشر منظومات صاروخية تُستخدم أدواتٍ للردع الاستراتيجي.
وتابع رضوان: «الشق التقني يتضمن عمليات تشويش على أنظمة الملاحة والتموضع العالمي، إلى جانب هجمات إلكترونية أو عمليات تستهدف البنية التحتية الحيوية بصورة يصعب معها تحديد المسؤولية بشكل مباشر».
وأضاف أن النرويج أصبحت تمثل موقعًا متقدمًا لحلف الناتو في القطب الشمالي، وهو ما تعتبره موسكو تهديدًا لقدرتها على الوصول إلى المحيط الأطلسي.
ولفت رضوان، إلى تنامي الاهتمام الاستخباراتي الغربي بنشاط السفن الروسية في بحر الشمال وبحر البلطيق، إضافة إلى تصاعد التوتر المرتبط بمنشآت الطاقة والبنية التحتية البحرية.
وأوضح أن أي مواجهة محتملة لن تتخذ شكل حرب تقليدية، بل ستتركز حول الكابلات البحرية وخطوط الغاز ومنشآت الطاقة والفضاء السيبراني، مع استمرار محاولات كل طرف تعزيز نفوذه في الممرات البحرية الحيوية.
وأشار رضوان، إلى أن المشهد الحالي يعكس تزايد الاعتماد على أدوات الردع غير المباشر والعمليات المركبة التي تجمع بين التكنولوجيا والقدرات العسكرية والأمنية في آنٍ واحد.