مُجْبرَتان على التكاتُف في ظل حُلم ترامب بِتَمزيق أوروبا :

مَتى تَتَجاوَزُ فرنسا و ألمانيا أزمتَهما السياسية ؟

 
كانت خيبة الأمل هائلة بقدر الآمال التي علّقتها فرنسا على المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي تولى منصبه في برلين في مايو-أيار 2025. فبعد سنوات من سوء التفاهم بين إيمانويل ماكرون والديمقراطي الاجتماعي أولاف شولتز "2021-2025"، رأت باريس في وصول فريدريش ميرتس المحافظ فرصة تاريخية لتجديد أوروبا التي أهملتها أمريكا. 

وكان هذا صحيحًا: ففي غضون أسابيع قليلة، حطم ميرتس العديد من المحرمات التاريخية، وسمح أخيرًا لألمانيا بالاقتراض بكثافة لتمويل إعادة تسليحها، وندد باعتمادها المفرط على الولايات المتحدة، وتحدث بصراحة عن الدفاع الأوروبي. أمام هذا الأوروبي الملتزم، الذي وُصف أحيانًا على عجل بأنه "ديغولي جديد"، ابتهجت باريس. ولكن بعد أقل من عام، جاءت الصدمة قاسية. ففرنسا وألمانيا لم تعودا متفقتين، بل ولا تحاولان حتى فهم بعضهما البعض.
أدت سلسلة من الخلافات المؤسفة إلى اتساع الهوة بين دولتين لا تزالان، في جوهر الأمر، على خلاف حول القضايا نفسها. تنتقد برلين باريس لعدم دعمها اتفاقية التجارة مع ميركوسور - السوق المشتركة لأمريكا الجنوبية - التي دافع عنها فريدريش ميرز بشدة لإيجاد أسواق بديلة، في ظل تزايد تقارب العلاقات مع الولايات المتحدة والصين. لم يدرك المستشار الألماني استحالة دعم إيمانويل ماكرون للاتفاقية من الناحية السياسية. كما كان يأمل في الحصول على دعم فرنسي عندما اقترح استخدام الأصول الروسية المجمدة لتمويل المساعدات لأوكرانيا. وهنا أيضًا، مستغلًا ورقته الرابحة، تجاهل التحفظات التي أعربت عنها فرنسا ودول أوروبية أخرى. من جانبها، ترغب فرنسا في أن تتبنى ألمانيا دورها الاستراتيجي بالكامل داخل أوروبا وأن تتحرر من النفوذ الأمريكي، الذي لا يزال جزء من الشعب الألماني متعلقًا به بشدة، بدافع المصلحة والخوف من مسؤوليات جديدة. علاوة على ذلك، لم يستطع إيمانويل ماكرون مقاومة طرح فكرة قرض أوروبي مشترك، يعتقد أنه سيمكن فرنسا من بناء الاستقلال الاستراتيجي الذي سعت إليه لما يقرب من عقد من الزمان. كان هذا بمثابة استخفاف بمدى عدم جدوى هذه الفكرة سياسياً بالنسبة للمستشار. فالبعض، حتى داخل حزبه، لم يغفروا له خروجه عن سياسة التقشف التي يدعو إليها حزبه بالسماح باللجوء إلى الاقتراض. 
ومن وجهة نظر ألمانيا، لا يمكن للإنفاق أن يحل محل الإصلاحات الأساسية التي دأبت فرنسا على تأجيلها. ومرة أخرى، فُسِّرت تصريحات الرئيس الفرنسي على أنها نزوة لا تُطاق، وفي غير وقتها، وغير مرحب بها. ويُعد مشروع الطائرات المقاتلة المشتركة، الذي تتهم فرنسا وألمانيا بعضهما البعض بتخريبه، مثالاً على هذه الأزمة الفرنسية الألمانية. ولكن، في جوهرها، ليست خلافاتهما جديدة. ففرنسا تريد إنفاق أكثر مما تستطيع تحمله وتعتزم حماية اقتصادها. تحتاج ألمانيا إلى التصدير، وهي تعطي الأولوية للإصلاحات الاقتصادية على الاستثمارات. ومع ذلك، فإن الخروج من هذه الفترة الصعبة أمرٌ لا غنى عنه. في أوروبا التي يحلم دونالد ترامب وفلاديمير بوتين بتقسيمها، لا تملك فرنسا وألمانيا خيارًا يُذكر: فهما مُجبرتان على التكاتف، وبسرعة. وهما بلا شك تُدركان ذلك، إذ طرحتا معًا إمكانية تقاسم الردع النووي الفرنسي في مؤتمر ميونيخ. إذا تمكنتا من التوصل إلى اتفاق، فستكون أوروبا قد خطت خطوة جديدة إلى الأمام.