هل اصبح تهديد الذكاء الاصطناعي واقعا نعيشه؟

هل اصبح تهديد الذكاء الاصطناعي واقعا نعيشه؟

العالم في خطر داهم، تحذير أطلقه مرينانك شارما، الذي أعلن مؤخرا استقالته من منصب خبير في سلامة الذكاء الاصطناعي لدى شركة "أنثروبيك" Anthropic، المطورة لروبوت الدردشة الذكي "كلود" Claude.

أثار تحذيره هذا موجة عارمة من المخاوف والتكهنات حول العالم: ما الذي رآه شارما تحديداً؟ لقد انصب عمله على رصد التهديدات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك ميله الخطير إلى التملق، فضلاً عن إمكان استغلاله في تطوير أسلحة بيولوجية أو دعم الإرهاب. فهل استرق النظر إلى خبايا "كلود" وأبصر شكلاً من الرعب الوشيك؟
في الواقع، ليس شارما وحده من يقرع ناقوس الخطر. ففي نفس الفترة التي استقال فيها شارما، 
اجتاح منصات التواصل منشور لرائد الأعمال مات شومر بعنوان "أمر جلل يحدث"، محققاً 33 ألف مشاركة و73 مليون مشاهدة (على رغم اتهام المنشور ذاته بأنه نتاج ذكاء اصطناعي!). وفي السياق ذاته، غرد المستثمر جيسون كالاكانيس قائلاً إنه لم يسبق له أن رأى هذا الكم من خبراء التكنولوجيا يعبرون عن قلقهم بهذا القدر من الوضوح والإلحاح كما يفعلون اليوم إزاء الذكاء الاصطناعي.
ولكن لسنا بحاجة إلى التكهن في شأن الطرق التي يرعبنا ويهددنا بها الذكاء الاصطناعي، فالخطر ماثل أمامنا بالفعل. وقد تكمن مفاتيح فهم ماهيته في الأجزاء الأقل إثارةً للدهشة من تصريح شارما.
لم يسهب شارما في عرض تفاصيل الخطر الداهم الذي يخشاه، لكنه كان واضحاً في أمرٍ واحد: الخطر لا يقتصر على الذكاء الاصطناعي وحده. ذكر أن التهديد "لا يقتصر على الذكاء الاصطناعي أو الأسلحة البيولوجية فحسب، بل يتعداه إلى سلسلة كاملة من الأزمات المترابطة التي تتكشف في هذه اللحظة بالذات"، ومع ذلك ترك مجدداً طبيعة تلك الأزمات من دون تحديد دقيق.
إزاء هذه التهديدات، أوضح شارما أنه قرر مغادرة الشركة، مؤكداً أن "وقت الرحيل قد حان". ولم يقصد بذلك الهروب من المخاطر ذاتها، بل كان يلمح ضمناً إلى أن التصدي لتلك التهديدات لم يعد ممكناً من داخل الشركات المطورة للأنظمة الذكية، بل يجب أن يأتي من خارجها.
وكتب شارما: "أريد استكشاف الأسئلة التي أجدها جوهرية حقاً، تلك الأسئلة التي يقول عنها ديفيد وايت: ’لا يحق لها أن تتلاشى’، تلك الأسئلة التي يحثنا ريلكه على ’العيش’ من أجلها. بالنسبة إلي، هذا يعني الرحيل".
وأضاف: "غايتي خلق مساحة أتحرر فيها من تلك القوالب التي قيدتني طوال الأعوام الماضية، 
كي أرى ما الذي يمكن أن ينبثق في غيابها. أشعر برغبةٍ في الكتابة التي تتناول وتتفاعل بشكل كامل مع واقعنا الحالي، والتي تضع الحقيقة الشعرية إلى جانب الحقيقة العلمية كطريقتين متساويتين في القيمة للمعرفة، فلكل منهما في اعتقادي مساهمة جوهرية في تطوير أي تكنولوجيا جديدة".
ينبع جانب كبير من قلقنا إزاء الذكاء الاصطناعي من داخل المنظومة نفسها. فنحن نتعامل منذ البداية مع وجوده وقوته كأمرٍ مفروغٍ منه، 
فتتحول نقاشاتنا حوله إلى شكل غريب، أقرب إلى خيال علمي مذعور ومشحون بالهلع، نستحضر فيه أبشع السيناريوهات وأشدها إحداثاً لتحول جذري في حياتنا. وغالباً ما تكون هذه المخاوف نسخاً مرعبة ومضخمة من عالمنا الراهن:
 بطالة واسعة، وانقلابات شاملة، وسلسلة من الكوارث الأخرى، بحماسة أقرب إلى التهويل، حتى يبدو وكأن الروبوتات ستنهض لتفني البشرية، أو تمنح إرهابياً القدرة على فعل ذلك، وكأن هذا المصير قد يكون، في النهاية، الضربة القاضية.
السبب الأكثر أهمية الذي يستوجب منا الحذر يتمثل في أن إثارة الذعر حول سطوة الذكاء الاصطناعي ليست سوى تكتيك تسويقي تعتمده الشركات المصنعة، وقد تفشّى هذا النهج منذ أن قلب "تشات جي بي تي" موازين هذه الصناعة برمتها. عندما تحذرنا هذه الشركات من أن أنظمتها بلغت من القوة ما من شأنه أن يبيدنا جميعاً، 
فإنها، قبل كل شيء، تذكرنا بمدى النفوذ الذي تمتلكه، ولا يضيرها بالطبع أن تتبع ذلك بمطالبات لضخ مزيد من الأموال وتخفيف القيود التنظيمية، بحجة تمكينها من بناء أنظمة موجهة للخير.
ويبدو هذا النهج سهلاً أيضاً لأنه طريق سلكناه من قبل، ولأسبابٍ وجيهة. فمعظم أضرار العالم الرقمي تتصل أساساً بالإشراف على المحتوى وضبطه.
 فشبكات التواصل، في مجملها، نافعة، والمسألة ليست إلا في منع الجهات السيئة من استغلالها. وكذلك فإن سهولة الوصول إلى المعلومات مفيدة في الغالب؛ كل ما يلزم هو تنقية المحتوى من المعلومات المضللة وإزاحة الزائف منها.
بيد أن الخطر الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي أدقّ وأوسع نطاقاً في آنٍ واحد. 
فهو يهدد بتغيير حياتنا وطريقة تفكيرنا على نطاق شامل، وينطبق ذلك حتى على الجوانب النافعة منه. لذلك، لا يمكن أن تقتصر الاستجابة عليه بمجرد مراقبة مظاهره السلبية ورصد ما هو سيئ فيه.
وفوق ذلك، فإن الجوانب السلبية لم تعد احتمالاً مستقبلياً، بل هي موجودة بالفعل. فقد ارتبطت روبوتات الدردشة بحوادث قتل وحالات انتحار عدة. وعلى مستوى أقل إثارة، لكنه أوسع انتشاراً بكثير، تؤدي طبيعتها المطيعة والمتملقة إلى إنتاج ملايين الكلمات يومياً، كلمات تُغذّي الأوهام، وتقوض الحقيقة، وتُضعف الروابط المجتمعية والإنسانية التي يقوم عليها تماسك البشر وقدرتهم على العيش والعمل معاً.
لا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يُحدث تحولات كبيرة وإيجابية في العالم، فقد أسهم بالفعل في إنقاذ أرواح لا تُحصى عبر تطبيقاته الطبية، وما يتيحه حتى من مكاسب بسيطة في الكفاءة والإنتاجية،
 بفضل النماذج اللغوية الكبيرة، قد يقود إلى مزيد من الازدهار البشري. لكننا نواجه خطراً حقيقياً يتمثل في أن تطغى التصريحات الرنانة عن أخطار مستقبلية مستوحاة من الخيال العلمي على التهديدات الواقعية التي نعيشها اليوم.
قد لا تكمن قوة بيان شارما في الأخطار التي يحذر منها، بل الطريقة التي اختار أن يرد بها عليها. فقد كتب: "آمل أن أدرس الشعر، وأن أكرّس نفسي لممارسة القول الشجاع". وأضاف: "أتطلع أيضاً إلى تعميق خبرتي في إدارة الحوارات، والإرشاد، وبناء المجتمعات، والعمل الجماعي".
 وفي ختام بيانه، شارك قصيدة، وكتب أنه سيتيح لنفسه أن "يغيب عن الأنظار لفترة من الزمن".
الشعر والصمت: شكلان من الانضباط في الكلام. ففي عالم أعاد الذكاء الاصطناعي صياغته وبات مهووساً به، 
وحيث يمكننا توليد فيض لا ينتهي من النصوص في لمحة بصر، ربما يكون الرد الأقوى الإمعان في ما نقول، وكيف نقوله، ولمن نوجه القول.