آراء الكتاب
مساحة نستعرض فيها الأفكار والإبداع بهدف إثراء الحياة الثقافية يعبر القارىء فيها عن رأيه ولا يمثل وجهة نظر الصحيفة نتلقى مشاركتكم عبر الايميل
abdalmaqsud@hotmail.com
abdalmaqsud@hotmail.com
اليوم العالمي للأم ولغة آدم
الأم ليست مجرد حاضنة للحياة، بل حافظة لغة الإنسان الأولى، لغة آدم والجذر الإنساني، يصادف 21 مارس اليوم العالمي للأم، يوم يحتفل بالأم بوصفها الحاضنة الأولى للحياة، واللغة، والهوية. من منظور الرؤية السفيركية، الأم ليست مجرد منبع للحنان أو التربية وحدهما، بل هي ممثلة للغة الأم الإنسانية الأولى، اللغة التي حملت في بنيتها أصوات “آدم عليه السلام”، لغة الإنسان الأولى، لغة الجذر والكينونة.
اللغة الأم للإنسانية، لغة آدم: في إطار الرؤية السفيركية، اللغة الأولى ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل نظام متكامل يحمل جينات لغوية أساسية. وإذا جاز للغة أن تحمل شذرات جينات “أب البشرية الأولى”، فإن سماتها تتمثل في:
1. المستوى اللساني والفونولوجي: أصية ومميزة، قابلة لإعادة إنتاجها في كل البشرية، تتضمن النبر والتنوين كأساس للتفريق بين المعاني وتنظيم مزدوج بين الخطية (تمثيل مباشر للأصوات) والقطبية (تمثيل للأضداد والمضادات الصوتية)، بما يتيح اتساقًا داخليًا ووظائف تعبيرية دقيقة.
2. المستوى الفيزيولوجي: يعتمد على جهاز نطق بشري طبيعي، محسن داخليًا، بحيث يكون كل حرف قابلًا للنطق بأقل جهد وأقصى تأثير معنوي ودلالات، نبر، والغنة تتضافر لتشكيل الصوت كعنصر حي للمعنى.
3. المستوى الصرفي والنحوي: جذر ثلاثي أساسي يحمل معاني متعددة وفق سياقاته، نظام صرفي متدرج يسمح بالاشتقاق دون فقدان البنية الأصلية للجذر، قواعد نحوية بسيطة لكنها قادرة على توليد جمل معقدة تشمل التراكيب الاسمية والفعلية مع الحفاظ على الأولية والوضوح.
4. المستوى الدلالي والمعجمي: لكل صوت وجذر قيمة دلالية محددة، تعكس التجربة الإنسانية الأولى، مفردات اللغة الأصلية تغطي الوجود الإنساني الشامل: الطبيعة، العاطفة، العمل، الروح، والمجتمع، المعجم ليس مجرد كلمات جامدة، بل شبكة مترابطة من المعاني الأساسية تُفهم بالفطرة.
5. المستوى التداولي: اللغة مصممة لتكون مباشرة، شفافة، وعابرة للثقافات البشرية المبكرة، تُستعمل للاتصال الحميمي بين الأم والطفل، وبين الإنسان وبيئته، مع القدرة على التعبير عن الضرورة والجوهر والحاجة الأولى للمعنى، الاحتفال باليوم العالمي للأم في سياق لغة آدم، الأم هي رمز اللغة الأم للبشرية جمعاء، والاحتفاء بها يعكس تكريمًا للجذور اللغوية الأولى، للكينونة الإنسانية، وللإمكانات الكامنة في اللغة التي تنقل الوعي والمعنى عبر الزمن. حتى مع تقدم مراكز البحث، وتطور الذكاء الاصطناعي، وتعدد اللغات في عالم اليوم، لغة آدم تبقى البنية الأصلية التي يُقاس بها كل تعلم لغوي لاحق، والمرجعية التي تضمن أصالة التواصل الإنساني.
اللغة الأم، في منظورنا السفيركي، ليست مجرد أول لغة يتعلمها الطفل فحسب، وإنما اللغة الأصلية للوجود الإنساني، مُعطاة من “أم اللغة”، وهي رمز حضن الأم وأصالة الإنسان، وهي لغة تحمل جينات الفكر، الصوت، والدلالة، وتبقى نواة لفهم الذات والآخر، مهما تغيرت اللغات وتداخلت، ومهما بلغت قدرات الذكاء الاصطناعي على توليد لغات جديدة.
مأمور أول مأمور جوك¹ : باحث
المصالحة مع الذات
ليست أصعب المعارك تلك التي نخوضها مع الآخرين ، بل تلك التي تدور بصمتٍ داخلنا ، معارك لا تُرى، ولا تُسمع، لكنها تستنزفنا ببطء، نلوم أنفسنا، نعاتب قراراتنا، ونحمل أخطاءنا كما لو أنها تعريفنا الوحيد، وهكذا نعيش وكأننا في محكمةٍ دائمة، القاضي فيها نحن، والمتهم نحن، والحكم لا يتغير.
المصالحة مع الذات لا تعني أن نبرّئ أنفسنا من كل خطأ، بل أن نفهمها بصدق، أن ننظر إلى ما حدث لا كوصمة، بل كتجربة فليس كل ما كسرنا كان نهاية، ولا كل ما أخطأنا فيه كان فشلًا، بعض السقوط كان درسًا، وبعض الألم كان طريقًا لم نكن لنراه لولاه، في هذه المصالحة يتوقف الإنسان عن مطاردة ماضٍ لا يعود.
يدرك أن الندم إن طال، يتحول إلى قيد، وأن العتب المستمر يسرق من الحاضر حقه، فيختار أن يضع حدًا لهذا الصراع الداخلي، لا بالنسيان بل بالفهم، فالفهم يهدّئ ما لا يستطيع الزمن وحده أن يهدّئه.
لكن الطريق إلى الذات ليس سهلاً، يتطلب شجاعة أن نعترف بأننا كنّا أضعف مما نظن، وأننا أخطأنا حين كان يمكن أن نكون أفضل، ومع ذلك يتطلب أيضًا رحمة، رحمة تمنحنا فرصة البدء من جديد دون أن نحمل معنا كل ذلك الثقل، وحين تتم المصالحة لا تتغير الحياة من حولنا فجأة، لكننا نحن نتغير، نصبح أخفّ، أهدأ ، أقل قسوة على أنفسنا، نرى الماضي كجزء من الحكاية، لا كحكمٍ نهائي عليها، المصالحة مع الذات ليست نهاية الطريق، بل بدايته الحقيقية، فمن يتصالح مع نفسه، لا يعود يبحث عن ذاته في الآخرين، بل يبدأ بصناعتها، كما يريدها أن تكون.
الصحفي حيدر فليح الشمري
العزم يقطع الصخرَ
سيسخر حاسدي مني ويرسل قوله المرا
لماذا والهلال يكون بعد قلامة بدرا
وأن التراب في البيداء يخرج بعضه تبرا
وأن الحزم ذاحد قوى يقطع الصخرا
وعندي منه مقدار عظيم يصرع الدهرا
كم حاربت ازاء به فاخذتها اسري
ولاتعجب فقد ملئت حياتي كلها غدرا
اغادر نكبة كيما اصارع نكبة اخري
سأركب نسر مقبرتي ليصعد بي الي الشعري
وسوف اطيل من صدري ليعقب ماربي الصبرا
سامي سرحان : عضو اتحاد كتاب مصر
حين تهدم الرياح أعشاشنا
في حديقةٍ جميلةٍ كانت الأشجار تتمايل بهدوء، بنى طائرٌ صغير عشَّه بين أغصان شجرةٍ عالية. جمع القشَّة فوق القشَّة، وبذل جهدًا طويلًا حتى أصبح له بيتٌ دافئ يأوي إليه، كان ذلك العشُّ عالمه الصغير، فيه يطمئن، ومنه ينطلق كل صباح ليحلِّق في السماء ويغرد بأجمل الألحان.
كان الطائر يحب عشَّه حبًا شديدًا، فهو لا يملك في الدنيا غيره. كلما عاد إليه شعر بالأمان والراحة، وظنَّ أن هذا العش سيبقى له إلى الأبد، لكن في يومٍ من الأيام هبَّت رياحٌ قوية، عاصفةٌ لم يتوقعها الطائر. أخذت تهزُّ الأغصان بعنف، ولم تمضِ لحظات حتى تناثر العشُّ، وتطايرت قشَّاته في كل اتجاه. وقف الطائر مذهولًا ينظر إلى بيته الذي ضاع، وكل قشَّةٍ منه في مكان.
حزن الطائر حزنًا شديدًا، وانكسر صوته الجميل. لم يعد يغرد كما كان، بل امتلأ قلبه باليأس والشكوى. أخذ ينظر إلى السماء وكأنه يعاتب الرياح: لماذا فعلتِ بي هذا؟ لماذا أخذتِ بيتي الوحيد؟ وبينما هو غارقٌ في حزنه، نزل جبريل عليه السلام بأمرٍ من الله، فاقترب من الطائر وسأله عن حاله. شكا الطائر حزنه وقال: لقد أخذت الرياح بيتي، وضاع تعبي، ولم يبقَ لي مأوى.
فقال له جبريل بلطف: يا طائر، إن ما تراه مصيبة قد يكون في حقيقته نجاة. لقد أمر الله الرياح أن تهبَّ اليوم، لأن ثعبانًا كان يزحف نحو شجرتك، وكان سيصل إلى عشِّك ويلتهمك. ولولا أن الرياح هدمت العش وأبعدتك عن مكانه، لكنت الآن فريسةً لذلك الثعبان، عندها أدرك الطائر الحقيقة. ما ظنه شرًا كان في الحقيقة رحمةً خفية. وما ظنه خسارةً كان في الحقيقة نجاةً من هلاكٍ محقق. امتلأ قلبه بالرضا،ز وعاد يغرد من جديد، لكن هذه المرة بصوتٍ مليءٍ بالشكر لله.
وهكذا هي حياتنا نحن البشر. كثيرًا ما نحزن عندما تضيع منا أشياء نحبها: بيت، أو عمل، أو مكان، أو أشخاص. نظن أن الدنيا قد ضاقت بنا، وأن ما حدث لنا ظلم أو خسارة لا تعوَّض. لكننا لا نرى الصورة كاملة، ولا نعلم ما خبأه الله لنا من خير، فالله سبحانه يدبّر الأمور بحكمةٍ لا يدركها الإنسان دائمًا. قد يُبعد عنك شيئًا لتحيا، وقد يُغلق بابًا ليحميك، وقد يكسِر خططك لأن في الطريق الذي تريده خطرًا لا تراه.
ولهذا قال الله تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم." كم من أمرٍ بكينا عليه، ثم اكتشفنا بعد زمن أنه كان سبب نجاتنا. وكم من طريقٍ تمنينا أن نسير فيه، ثم حمدنا الله أنه لم يكتبه لنا، إن قصة الطائر تعلمنا درسًا عظيمًا: أن نسلم أمرنا لله، وأن نثق بحكمته، حتى عندما لا نفهم ما يحدث. فربُّنا أرحم بنا من أنفسنا، وما يقدّره لنا ليس عبثًا، بل رحمة وتدبير، فلعل الرياح التي تهدم أعشاشنا اليوم إنما جاءت لتنقذ حياتنا.
م. سامي الفاضل
لَا تَشْتَكِي لِلْبَحْرِ
لَا تَشْتَكِي لِلْبَحْرِ
أَرْجُوكِ..
لَا تَشْتَكِي لِلْبَحْرِ مِنِّي..
فَأَنَا أَمَامَهُ رُبَّانْ..
وَلَا تَبُثِّينَ لَوْعَتَكِ لِلْقَمَرِ..
فَقَدْ رَسَمْتُ فِي ظِلِّهِ
صُورَتَكِ.. فَوْقَ الجُدْرَانْ!
وَلَا تَقُولِي لِلصَّحْرَاءِ عَنِّي..
فَكَمْ صَاحَبْتُ القَمَرَ وَطَيْفَكِ..
فِي قَدِيمِ الأَزْمَانْ..
وَلَا تَنْشُدِي الصَّمْتَ سِرّاً..
فَإِنَّ سُكُوتِي بَيَانْ!
وَإِنْ عَاصَفَتْ بِي الذِّكْرَى..
فَصَدْرُكِ مَرْفَأِي وَالأَمَانْ..
يَا زَهْرَتِي..
لَا لَنْ تَذْبُلِي..
لَكِنِّي أَمُوتُ شَوْقاً.. وَغَرَقاً..
فِي بُحُورِ الأَيَّامْ..
فَإِذَا مَا أَحَاطَ بِي خِيَالُكِ..
لَنْ يَهُمَّنِي..
إِنْ كُنْتُ مَيْتاً.. أَوْ مَنْسِيّاً
خَلْفَ البِيبَانْ..
سَأَبْقَى رُبَّاناً.. وَإِنْ
مَزَّقَتْ أَشْرِعَةَ عُمْرِي.. أَيَّامُ الخِذْلَانْ!
فَقِسْمَاتُ وَجْهِكِ الصَّبُوحِ دَاخِلِي..
لَنْ يَمْحُوهَا
بَحْرٌ.. أَوْ عَتْمَةٌ.. أَوْ تَوْهَانْ!
فريد فؤاد/شاعر
الستر عن المعصية
نخاف على مكانتنا بين الناس، فعندما نرتكب المعصية نطلب من الله الستر علينا خشية أن تذهب هيبتنا ومرتبتنا عند الخلق وحتى لا نسقط من أعينهم وتذهب محبتهم لنا.. فنخشى الناس ولا نخشى الله.
احذر أن تسير بمنطق منزلتك بين الخلق فقط فلا تجد لنفسك نصيبا من الجنة يوم العرض، لذلك لا تبارز الله بالعظائم في خلوتك، وإذا لقيت الناس كنت خاشعا مطمئنا تراءون وتهابون بعضكم بعضا، فالخلل في قلوبنا أجللنا الناس وركنا إليهم فكان الله أهون الناظرين إلينا، كن من أهل التقوى والإيمان واليقين وممن يطلبون الستر عن المعصية أي الحفظ منها والمنع عنها وعدم تهيئة أسبابها حتى لا يؤخذ بها، كن ممن يطلبون من الله أن يحول بينهم وبين الوقوع في المعصية وأن يجعل بينهم وبينها حاجباً عنها، وأن يغيب عن نظرهم ما يفتنهم من المعاصي وألا تخطر بقلوبهم حتى لا تميل أنفسهم إليها، فهم يخشون الله ويخافون مخالفته والتعرض لسخطه والسقوط من نظره سبحانه وتعالى.
لا تكن ممن يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم، بل أسال الله التوبة الصادقة ودوامها واستعذ بالله من المعصية وأسبابها وأن يبعد عنك خطراتها وأن ينعم عليك بطوق النجاة منها ومن التفكر في طرائقها وأن يمحو من قلبك ما اجتبيته منها وأن يجعلك تعمل بعمل أهل التقوى والإيمان.
عصام كرم الطوخي : كاتب صحفي
القطط والطاقة السلبية
ارتبطت القطط بهالة من الغموض، فظهرت في الأساطير والحكايات الشعبية ككائنات تمتلك قدرات غير مرئية، تتجاوز حدود الحواس المعتادة. ومن بين أكثر هذه الأفكار انتشارًا، الاعتقاد بأن القطط قادرة على امتصاص “الطاقة السلبية” من المكان أو من الإنسان. وبين من يؤمن بهذا التصور ومن يراه مجرد خيال، تظل العلاقة بين الإنسان والقطط جديرة بالتأمل.
يرى البعض أن وجود القطة في المنزل يمنح شعورًا بالهدوء والراحة، وكأنها تلتقط التوتر غير المرئي وتخففه. قد تجلس القطة بجوارك في لحظة حزن، أو تقترب منك حين تشعر بالقلق، فتشعر وكأنها تفهمك دون كلمات. هذا السلوك، بالنسبة للبعض، دليل على قدرتها على استشعار “الطاقة” والتفاعل معها.
لكن من زاوية علمية، لا يوجد دليل قاطع يثبت أن القطط تمتص طاقة سلبية بالمعنى الماورائي. ما هو مؤكد، أن القطط تمتلك حساسية عالية تجاه التغيرات في البيئة وسلوك الإنسان، فهي تلاحظ نبرة الصوت، وحركات الجسد، وحتى الإشارات الدقيقة التي قد لا ينتبه لها البشر أنفسهم. لذلك، قد تتصرف بطريقة تبدو وكأنها “تتفاعل مع طاقتك”، بينما هي في الحقيقة تستجيب لمؤشرات نفسية وسلوكية واضحة.
كما أن وجود القطط بحد ذاته له تأثير إيجابي مثبت على الحالة النفسية، فمداعبة القطة أو سماع صوت خرخرتها يساعد على تقليل التوتر وخفض مستويات القلق. وهذا ما يفسر شعور كثير من الناس بالراحة عند وجودها، دون الحاجة إلى تفسير غيبي، وربما تكمن الحقيقة في نقطة وسطى بين الأسطورة والعلم؛ فليس مهمًا إن كانت القطط تمتص الطاقة السلبية فعلاً، بقدر ما يهم أنها تمنح الإنسان شعورًا بالونس والطمأنينة، فهي كائنات هادئة، تعيش اللحظة ببساطة، وتنقل هذا الإحساس لمن حولها.
د. وفاء فتحي
السلام النفسي في الأزمات
في لحظات الأزمات، حين تضيق المساحات وتتسارع الأحداث، يبدو السلام النفسي وكأنه رفاهية بعيدة المنال، تتزاحم المخاوف، وتعلو الأصوات، ويجد الإنسان نفسه محاصرًا بين القلق على الحاضر والخوف من المستقبل، ومع ذلك، فإن السلام النفسي لا يُولد في أوقات الاستقرار فقط، بل يُصنع ويُختبر في قلب العاصفة.
الأزمة بطبيعتها حالة اضطراب، تهزّ الثوابت وتربك الحسابات، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن معادن النفوس. هناك من ينهار تحت وطأتها، وهناك من يعيد ترتيب داخله ليخرج منها أكثر قوة ووعيًا. الفارق بين الحالتين لا يكمن في حجم الأزمة، بل في طريقة التعامل معها.
السلام النفسي لا يعني إنكار الألم أو تجاهل الخطر، بل هو القدرة على رؤية الأمور بوضوح دون تهويل، والتعامل معها بعقل متزن وقلب ثابت، هو أن تدرك أن القلق لن يغير الواقع، لكنه قد يستنزف طاقتك التي تحتاجها لمواجهته، ومن أهم مفاتيح هذا السلام: تقبّل الواقع. فمقاومة ما لا يمكن تغييره تزيد من حدة التوتر، بينما يفتح التقبّل بابًا للتفكير العملي. حين يعترف الإنسان بوجود الأزمة، يبدأ في طرح السؤال الأهم: ماذا يمكنني أن أفعل الآن؟ هنا يتحول من حالة العجز إلى دائرة الفعل.
كما أن إدارة الانتباه تلعب دورًا حاسمًا، فالإفراط في متابعة الأخبار أو الانغماس في السلبية الجماعية يُضخم الإحساس بالخطر، لذلك فإن تقليل الضوضاء الخارجية يمنح العقل فرصة لاستعادة هدوئه، ويعيد التوازن الداخلي، ولا يمكن إغفال دور التنفّس الواعي والهدوء الجسدي، فالجسد هو بوابة النفس. حين يهدأ الجسد، يتبعه العقل تدريجيًا. دقائق قليلة من التنفس العميق قد تصنع فارقًا حقيقيًا في لحظة توتر.
أما التعبير عن المشاعر، فهو ضرورة لا ضعف. فالكبت يزيد الضغط الداخلي، بينما الحديث أو الكتابة يخففان من ثقل ما بداخلنا. الإنسان لم يُخلق ليحمل أعباءه وحده.
وفي خضم كل ذلك، تبقى هناك حقيقة بسيطة لكنها عميقة: ليس كل ما يحدث لنا تحت سيطرتنا، لكن طريقة استجابتنا دائمًا في أيدينا. وهذه المساحة الصغيرة من الاختيار هي التي تصنع الفرق الكبير.
الأزمات رغم قسوتها، تحمل في طياتها فرصة لإعادة اكتشاف الذات، قد تُجبرنا على التوقف، على إعادة ترتيب الأولويات، وعلى فهم ما هو مهم حقًا، في نهاية الطريق، ندرك أن السلام النفسي لم يكن في غياب الأزمات، بل في قدرتنا على العبور خلالها دون أن نفقد أنفسنا، وفي النهاية، يبقى السلام النفسي قرارًا يوميًا، لا يتحقق مرة واحدة، بل يُبنى خطوة بخطوة، ووعيًا بعد وعي.
حمادة الجنايني