آن أوان المحاكمة !
هذا العنوان ليس من عندي، بل هو عنوان عمل أدبي وفلسفي مهم كتبه الكاتب والروائي بسام عبد السميع، وفي اعتقادي أنه عمل إبداعي فريد؛ فهو ليس عملاً روائيًا من نبت الخيال، وإن اعتمد على فكرة تخيلية تقوم على استدعاء أكثر من ثلاثين فيلسوفًا وأديبًا من ذوي الميول الفلسفية، من سقراط وأفلاطون قديمًا إلى زكي نجيب محمود ومالك بن نبي وإدوارد سعيد حديثًا، ومن هيباتيا إلى سيمون دي بوفوار، ومن كونفشيوس وبوذا إلى تولستوي ودوستويفسكي، ليخضعهم جميعًا للمحاكمة عبر سؤال واضح عن قيمة الفكر الفلسفي ودوره في تاريخ البشرية.
الرواية تمزج بين التاريخ الحضاري وتاريخ الفلسفة والعلم، وتكشف بجلاء عن أهمية السؤال الفلسفي، موضحة أن محاكمة أفكار الفلاسفة لا تكون فقط عبر نقدها النظري، بل بالسؤال عن مدى صدقها عند مواجهة الواقع، وهل صمدت أمام التجربة أم تهاوت.
وتكمن القيمة الحقيقية لهذه الرواية في قدرة الكاتب على فهم هذا الكم الكبير من الأفكار وعرضها بأسلوب سهل ممتنع وصورة روائية بديعة دون غموض أو خلط، مع إبراز صلتها المباشرة بالواقع، ليؤكد أن هذه الأفكار أثرت في حياتنا وساعدتنا على فهم أنفسنا وإدراك دورنا في الحياة وتطويرها نحو الأفضل.
إنَّ ثمة أقوالًا وأفعالًا خالدة للفلاسفة عبر التاريخ ترسم صورًا خلاقة للحياة الإنسانية وتمثل نبراسًا يوقظ البشر زمنًا بعد آخر وعصرًا بعد عصر، وقد عبّر عنها الكاتب بلغته السلسة المميزة؛ خذ مثلًا قوله عن سقراط: "وفي عام 399 ق.م. مات سقراط واقفًا.. لا حاملًا سيفًا بل حاملًا فكرة قاومت السلطة، وسؤاله ما زال يُطرح في كل زمن: هل تعرف نفسك؟"، وقوله نقلًا عن أفلاطون: "ليست الفلسفة حكمًا على الناس بل استباقًا لانهياراتهم، من لا يحتمل رؤية الشمس سيظل عبدًا للظل حتى لو عاش حرًا"، وكذلك تخيله لهيباتيا وهي تقول: "العقل ليس النهاية بل بداية الرحلة، والموت من أجله ليس انتحارًا بل بوابة الخلود".
ولعلي أختم هذه الإطلالة السريعة بقول القاضي: "لا تثقوا بأحد حتى بأنفسكم... اختبروا كل شيء حتى أفكاركم، فالحقيقة ليست صورة واحدة بل مجموع صور لا تكتمل إلا حين تتعارض أجزاؤها".
والطريف أن هذه الرواية لا تنتهي عند عصرنا، بل تستشرف الحوار الفلسفي في المستقبل بين الإنسان والآلة، في إشارة إلى عصر ما بعد الإنسان، وكان جميلًا أن يُفتتح الفصل الختامي بقول المؤلف: "معرفة الغد لا تمنحنا الخلاص بل تسحب من أرواحنا لذة الترقب وجمال أن نخطئ"، ولعلي أضيف: وشغف السؤال الدائم عن الحقيقة.
إن الفلسفة، كما بدا، هي جوهر إنسانيتنا؛ فهي شغف الإنسان الدائم لإدراك الحقيقة التي تبدو كسراب نصنعه ثم نجري وراءه. وربما يكتشف القارئ في النهاية كم الجرم الذي يرتكبه منتقدو الفلسفة في حق أنفسهم وفي حق الإنسانية.