برلين تتحرك لحماية منشآتها الحيوية.. تحذير أمني غير مسبوق في ألمانيا

برلين تتحرك لحماية منشآتها الحيوية.. تحذير أمني غير مسبوق في ألمانيا


ترفع ألمانيا مستوى استعدادها الأمني بعد انتقال تقييم وزارة الداخلية من تهديد مجرد إلى تهديد مرتفع، في تحول يضع احتمال وقوع هجمات داخل البلاد ضمن حسابات الأجهزة ويفتح الطريق أمام توسيع صلاحيات الاستخبارات وتشديد حماية المنشآت الحيوية والأماكن العامة.
وقال وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت في مقابلة مع صحيفة «فيلت أم زونتاغ» الألمانية إن ازدياد البلاغات والمعلومات التي تجمعها الأجهزة دفعه إلى رفع مستوى التهديد، مؤكدًا أن خططًا تستهدف ألمانيا أصبحت أوضح وأن البلاد مطالبة بحساب خطر وقوع هجمات في أي وقت.
وأوضحت صحيفة «فيلت» أن تقييم الوزير يستند إلى معلومات وردت من أجهزة استخبارات حليفة ومصادر ألمانية، إلى جانب رصد نشاط شبكات تنفذ أعمال استطلاع وتخريب داخل البلاد وخارجها.
ويمثل ذلك تغيرًا عن موقف أعلنه دوبرينت في آذار الماضي، عندما نقلت شبكة «تاغس شاو» عنه عدم وجود تغير أمني محدد داخل ألمانيا على خلفية الحرب مع إيران.

التهديد يتجاوز الإرهاب التقليدي
ولا تملك الحكومة معلومات معلنة عن هجوم محدد في مكان وزمان معروفين، فقد وصف دوبرينت الخطر بأنه مرتفع من دون اعتباره تهديدًا مكتمل التفاصيل، لكن حديثه عن خطط تستهدف البنية التحتية والأشخاص والمؤسسات يكشف انتقال الأجهزة من متابعة احتمالات عامة إلى أنشطة وتحضيرات قابلة للرصد.
وأفادت وكالة «رويترز» بأن رفع التصنيف استند إلى زيادة البلاغات والنتائج الاستخباراتية.
في الوقت الذي يأتي فيه تحذير دوبرينت داخل بيئة أمنية تجمع احتمالات الهجمات والتجسس والتخريب والعمليات السيبرانية، إذ نقلت «فيلت» عن رئيس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية هولغر مونش أن حالات الاشتباه بالتجسس ارتفعت من 20 حالة عام 2022 إلى 474 حالة عام 2025، وشملت منشآت عسكرية وبنى حساسة وعمليات مرتبطة بطرود حارقة وشبكات تعمل عبر الحدود. وذكرت الصحيفة أن رئيس هيئة حماية الدستور حذر من تصاعد تهديدات هجينة تجمع الهجمات الإلكترونية والتجسس والتخريب والتضليل، مع تعرض مستشفيات ومؤسسات طبية للرصد من جماعات إجرامية وجهات تعمل بدعم دول، ما يوسع مفهوم الخطر خارج صورة الهجوم الإرهابي التقليدي.
وأظهر الهجوم على شبكة الكهرباء في برلين مطلع كانون الثاني حجم الضرر الذي يمكن أن تحدثه عملية محدودة ضد البنية التحتية، إذ أفادت شبكة «تاغس شاو» بأن إحراق كابلات رئيسية قطع الكهرباء مؤقتًا عن نحو 45 ألف منزل و2200 منشأة تجارية، ودفع السلطات إلى مراجعة خطط حماية شبكات الطاقة ورفع الاستعداد المدني.

التحذير الأمني يفتح معركة الهجرة
في حين قالت الصحفية الألمانية آن كاترين مولر لـ»إرم نيوز» إن رفع مستوى التهديد يعكس انتقال السلطات من التعامل مع مخاطر متفرقة إلى تقدير أمني يربط بين التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية والاعتداء على البنية التحتية، موضحة أن أهمية القرار تكمن في اتساع نوعية الأهداف المحتملة أكثر من وجود معلومات معلنة عن هجوم وشيك.
وأضافت مولر أن التأثير المباشر سيظهر أولًا في زيادة الحضور الأمني حول محطات النقل والمطارات والمنشآت الحكومية والفعاليات الكبرى، إلى جانب توسيع التفتيش والمراقبة، فيما سيبدأ الأثر السياسي الأوسع عند استخدام مستوى التهديد لتبرير صلاحيات استخباراتية جديدة تقلص المسافة الفاصلة بين جمع المعلومات والتدخل المبكر ضد المشتبه بهم.
وأوضحت أن الخطر الداخلي يرتبط بتحويل التحذير الأمني إلى أداة في معركة الهجرة واللجوء، لأن بعض الأحزاب ستسعى إلى ربط التهديد بالمهاجرين رغم أن التقييم الرسمي يشمل نشاط دول أجنبية وشبكات تخريب وعمليات رقمية، معتبرة أن التحدي الحقيقي أمام الحكومة يتمثل في حماية المنشآت والمواطنين من دون توسيع الاشتباه الجماعي أو منح اليمين الشعبوي ذريعة لفرض قيود لا تستند إلى أدلة أمنية مباشرة.

صلاحيات أوسع للأجهزة
يمهد رفع مستوى التهديد لتسريع إصلاح ينقل أجهزة الاستخبارات من المراقبة وجمع المعلومات إلى تعطيل بعض الهجمات قبل تنفيذها، إذ كشفت «رويترز» مطلع تموز عن مشروع قانون يمنح الأجهزة صلاحيات لاختراق أنظمة المهاجمين والتشويش على عملياتهم وتغيير المعلومات التي يعتمدون عليها.
وذكرت صحيفة «بيلد» أن مجلس الوزراء يستعد لمناقشة الإصلاح في الثالث عشر من آب المقبل، وأن المقترحات تسمح لأجهزة حماية الدستور باتخاذ إجراءات تشغيلية في حالات الخطر الإرهابـــي الحــــاد، مع بقاء الاعتقال من اختصاص الشـــرطة وخضوع التدابير لرقابة مستقلة.
وينعكس رفع التأهب في تعزيز حماية المطارات ومحطات القطارات والفعاليات الكبرى والمقار الحكومية والمنشآت الدينية وشبكات الطاقة والنقل، ما قد يفرض حضورًا أمنيًا أكبر وعمليات تفتيش إضافية في المواقع الحساسة من دون إعلان حالة طوارئ.
كذلك يفتح التصعيد بابًا لربط التهديد بالهجرة داخل الساحة الحزبية، خاصة أن دوبرينت يقود سياسة تقوم على تشديد مراقبة الحدود وتسريع الإبعاد وتقييد بعض مسارات اللجوء، وقد أفادت «رويترز» في شباط الماضي بأن ألمانيا مددت عمليات التفتيش على حدودها ستة أشهر إضافية.
وقد تستثمر أحزاب اليمين رفع مستوى التهديد للمطالبة بتدقيق أوسع في خلفيات طالبي الحماية وتسريع الترحيل وزيادة الرقابة على الجمعيات والمؤسسات الدينية، رغم أن التقييم الجديد شمل التجسس الأجنبي والتخريب والهجمات السيبرانية والاعتداءات على البنية التحتية ولم يربط رفع التصنيف بالهجرة وحدها.
في المحصلة، تكمن خطورة المرحلة المقبلة في اختزال تهديد متعدد المصادر داخل ملف اللجوء، لأن دمج الأمن بالهوية قد يوسع الاشتباه الاجتماعي والسياسي ويمنح التيارات الشعبوية ذريعة لإجراءات لا تستند إلى صلة مباشرة بالمعلومات الاستخباراتية.