بين استشراف المستقبل وسلوك الإنسان..

بين استشراف المستقبل وسلوك الإنسان..

في عالم يتغير بسرعة، لم يعد كافيًا أن تنشغل المؤسسات بما يحدث اليوم فقط، بل أصبحت بحاجة إلى أن تنظر إلى ما قد يحدث في المستقبل، وفي الوقت نفسه لا بد من فهم الإنسان الذي ستقدم له الخدمة.
 ومن هنا تبرز فكرتان مهمتان في الإدارة الحديثة: الاستبصار الاستراتيجي والبصائر السلوكية.
قد تبدو المصطلحات معقدة للوهلة الأولى، لكن الفكرة في الحقيقة بسيطة. الاستبصار الاستراتيجي يرتبط باستشراف المستقبل، فهو يدفعنا إلى النظر إلى التغيرات التي قد تحدث من حولنا، ثم التفكير في تأثيرها خلال السنوات المقبلة. بمعنى الاستعداد لعدة احتمالات ممكنة. فعندما نسأل: كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي في الوظائف والخدمات؟ وكيف ستتغير اهتمامات الشباب خلال عشر سنوات؟ وهل ستصبح التجارب الرقمية جزءًا أساسيًا من التعليم والثقافة والتراث؟ فنحن هنا نمارس نوعًا من استشراف المستقبل.  لكن الاستبصار الاستراتيجي يذهب خطوة أبعد، فهو لا يكتفي بالسؤال: ماذا قد يحدث؟ بل يسأل أيضًا: ماذا ينبغي أن نفعل اليوم حتى نكون مستعدين لما قد يحدث غدًا؟
أما البصائر السلوكية فتنظر إلى الموضوع من زاوية مختلفة. فهي لا تبدأ من المستقبل، وإنما من الإنسان نفسه: لماذا يتخذ الناس قرارات معينة؟ ولماذا يقبلون على خدمة ويعزفون عن أخرى؟ وما الذي يمكن تغييره في طريقة تقديم الخدمة حتى نشجعهم على سلوك أفضل؟
ولنبسط الأمر بمثال من مجال التراث، لنفترض أن مؤسسة تراثية تدرس مستقبل البرامج التراثية الموجهة للشباب، وتلاحظ أن الأجيال الجديدة أصبحت أكثر ارتباطًا بالتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والتجارب التفاعلية. باستخدام الاستبصار الاستراتيجي يمكن للمؤسسة أن تتصور أن البرنامج التراثي بعد عشر سنوات قد يختلف عن البرنامج التقليدي اليوم، فتبدأ منذ الآن في تطوير تجارب تجمع بين التراث والتكنولوجيا، مع المحافظة على أصالة الموروث لجذب الجيل المقبل.
ثم تطلق المؤسسة برنامجًا تراثيًا جديدًا يسجل فيه مئة شاب، لكنها تكتشف أن نسبة كبيرة من المسجلين لا تحضر. هنا ننتقل إلى البصائر السلوكية ونسأل: لماذا لم يحضروا؟ هل موعد البرنامج غير مناسب؟ هل إجراءات التسجيل طويلة؟ هل يحتاج المشاركون إلى رسالة تذكير؟ أم أن طريقة تقديم البرنامج لم تكن جذابة بما يكفي؟
بعد معرفة الأسباب يمكن تجربة حلول بسيطة، مثل إرسال تذكير قبل الموعد، أو تبسيط التسجيل، أو تغيير طريقة عرض البرنامج، ثم قياس النتائج لمعرفة ما إذا كانت نسبة الحضور قد تحسنت. وهنا يلتقي المفهومان في نقطة مهمة: الاستبصار الاستراتيجي يساعدنا على فهم المستقبل المحتمل والاستعداد له، بينما تساعدنا البصائر السلوكية على فهم الإنسان الذي سيتعامل مع هذا المستقبل.
فالمؤسسة الناجحة لا يكفي أن تعرف إلى أين يتجه العالم، بل عليها أيضًا أن تعرف كيف يفكر الناس؟ وكيف يتصرفون؟ وعندما نجمع بين استشراف المستقبل وفهم السلوك الإنساني، تصبح قراراتنا أكثر واقعية، وبرامجنا أكثر قدرة على الاستمرار والتأثير، ودمتم بخير،،،