ولمة الير
أثناء متابعتي لسباقات اليَر (التجديف التراثي)، لفت انتباهي أن عدداً من رؤساء فرق العيالة البحرية هم أنفسهم من أصحاب المحامل والمشاركين في سباقات اليَر، وقد تكون هذه الملاحظة مجرد مصادفة، أو لأن التجديف والعيالة البحرية يشتركان في أنهما من عناصر التراث البحري، ولكنها أثارت في ذهني تساؤلاً: هل هناك علاقة بين وَلْمة اليَر وفن العيالة البحرية؟ وهل انتقل إيقاع البحر وحركة المجاديف إلى الفنون الشعبية التي يؤديها أهل الساحل؟
الوَلْمة في اليَر هي انسجام حركة المجاديف بين يزوة اليَر (فريق التجديف)، بحيث يجدّف الجميع في وقت واحد، وبوزن وإيقاع متناسق، فكل مجدّف مرتبط بالحركة الجماعية للمجدفين، وأي اختلاف في التوقيت أو في قوة الير قد يؤثر في انسجام الفريق وسرعة المحمل. ومن هنا بدأت أربط بين مشهدين، أحدهما في البحر والآخر على اليابسة، فالنوخذة الذي يقود المحمل هو نفسه أبو العيالة الذي يقود الفرقة، ويزوة اليَر هم أعضاء العيالة، وكأننا أمام فريق واحد يؤدي عملين مختلفين، تجمعهما القيادة والانضباط والانسجام الجماعي.
وعندما نتأمل حركة صف العيالة البحرية، وتحديداً نزول العصا وارتفاعها في وقت واحد، نجد تشابهاً حركياً مع سحب المجاديف وارتفاعها في اليَر، وكأن حركة العصا هي امتداد لحركة المجداف، وإيقاع التخامير الذي يحافظ على وزن العيالة يقابله إيقاع الوَلْمة الذي يجمع المجدّفين على حركة واحدة. فهل يمكن أن تكون الوَلْمة قد انتقلت من البحر إلى العيالة؟ أم أن التشابه ناتج عن طبيعة الأداء الجماعي الذي يتطلب إيقاعاً موحداً؟
وإذا انتقلنا إلى فن الأهالة، وهو من الفنون البحرية الساحلية التي يؤديها تقريباً مؤدو العيالة البحرية أنفسهم، نجد أن الصوت البشري هو العنصر الأساسي في هذا الفن، دون الاستعانة بالطبول أو الآلات الإيقاعية. وعندما نستمع إلى التواء اللحن وتكراره بأنغام منسجمة، يخيل إليّ أنني أستمع إلى أمواج البحر المتلاطمة، موجة تعلو وأخرى تنخفض، في صورة صوتية تشبه حركة البحر الذي عاش معه أهل الساحل، وكأن الأهالة هي الصوت، والعيالة هي الحركة، واليَر هو العمل الذي يجمع بينهما.
قد يكون هذا الربط من نسج الخيال، وقد يكون وراءه امتداد تاريخي يستحق البحث والتوثيق، خصوصاً أن البيئة البحرية كانت تجمع هؤلاء الرجال في أعمالهم ومناسباتهم وفنونهم الشعبية. فما أطرحه هنا ليس حقيقة تاريخية موثقة، وإنما ملاحظة أتتني في لحظة سرحان، حاولت من خلالها قراءة العلاقة بين البحر والفن والحركة والإيقاع، وقد أخطئ وقد أصيب، فهذه المعلومات لم يسردها لي راوٍ، وإنما قادتني إليها المشاهدة والتأمل، ولعلها تكون بداية لسؤال نطرحه على النواخذة وكبار السن ممن عاصروا البحر وفنونه؟!
ودمتم بخير،،،