من اخراج ريدلي سكوت عن رواية بيتر هيلر

(The Dog Stars) يجمع بين الخيال العلمي والدراما وأفلام النجاة

(The Dog Stars) يجمع بين الخيال العلمي والدراما وأفلام النجاة

احتفل المخرج البريطاني ريدلي سكوت مؤخرا بالعرض العالمي الأول لفيلمه الجديد "نجوم الكلب" (The Dog Stars) في لندن، في عودة إلى الخيال العلمي بعد نحو 9 أعوام من فيلم "فضائي: كوفينانت" (Alien: Covenant)، لكنْ من دون مخلوقات فضائية أو جيوش من الموتى الأحياء؛ إذ يضع فيلمه هذه المرة مجموعة قليلة من الناجين بعد فناء البشرية.وذكرت مجلة "ديدلاين" أن العرض أقيم الخميس 20 أغسطس/آب 2026 في دار "أوديون لوكس" بميدان ليستر في العاصمة البريطانية، بحضور سكوت وأبطال الفيلم جاكوب إلوردي ومارغريت كوالي وجوش برولين وغاي بيرس وبنديكت وونغ. وانضم إليهم على السجادة الحمراء الكلب راك جاسبر، الذي يؤدي دور رفيق الشخصية الرئيسية، وظهر إلى جانب إلوردي في واحدة من أبرز لقطات العرض.وتم اطلاق الفيلم عالميا ابتداء من 26 أغسطس/آب الماضي، ويجمع بين الخيال العلمي والدراما وأفلام النجاة، مستندا إلى رواية بيتر هيلر الصادرة عام 2012.

عالم نجا من الوباء وفقد الحياة
تدور أحداث "نجوم الكلب" في مستقبل أعقب وباء مدمرا قضى على معظم سكان الأرض، حيث يعيش هيغ، الذي يؤدي دوره جاكوب إلوردي، في مطار مهجور بولاية كولورادو، بعدما فقد زوجته والعالم الذي كان يعرفه، ولم يبق إلى جانبه سوى كلبه المسن ورجل عسكري سابق يدعى بانغلي، يجسده جوش برولين.
تجمع الرجلين شراكة قائمة على الضرورة أكثر من الصداقة، ويحتفظ بانغلي بالسلاح ويراقب حدود المكان، بينما يستخدم هيغ طائرة قديمة من طراز "سيسنا" للتحليق فوق المنطقة بحثا عن الطعام والناجين ورصد الأخطار المحتملة. يحمي الأول المستوطنة بعقلية عسكرية لا تثق بأحد، في حين يواصل الثاني التشبث باحتمال وجود حياة تتجاوز الخوف والعزلة.
ويتغير هذا التوازن عندما يلتقط هيغ إشارة إذاعية متقطعة قادمة من مكان بعيد. تبدو الإشارة دليلا على وجود ناجين آخرين، فيغادر المطار بطائرته متتبعا مصدر الصوت، رغم تحذيرات بانغلي من أن البشر الذين ظلوا أحياء قد يكونون أشد خطورة من الوباء نفسه. تقوده الرحلة إلى مخبأ جبلي يعيش فيه بوبس، الذي يؤدي دوره غاي بيرس، وابنته سيما، التي تجسدها مارغريت كوالي.
وتكشف هذه المواجهة عن إمكانية بناء روابط إنسانية جديدة، لكنها تضع هيغ أيضا أمام تهديدات لم يكن يتوقعها، في عالم أصبح فيه منح الثقة لشخص غريب مخاطرة قد تنتهي بالموت.
وتقدم شركة توينتيث سينتشري ستوديوز الفيلم باعتباره حكاية يقع فيها الاختيار بين غريزة النجاة والتمسك بالإنسانية، ولا ينطلق الصراع من محاولة الأبطال هزيمة الوباء الذي انتهى بالفعل، بل من كيفية العيش بعده، ومن السؤال عما إذا كان الخوف يبرر التخلي عن الرحمة والثقة والحب.

الأمل بدلا من الموتى الأحياء
قال سكوت إنه قرر إخراج الفيلم بعدما قرأ سيناريو مارك إل. سميث، ووجد أنه حافظ على تماسكه حتى النهاية، وأوضح أنه يتعامل بصورة غريزية مع نصوص الخيال العلمي؛ فإذا نجحت الفكرة على الورق، يبدأ فورا في تخيل العالم الذي يمكن أن تصنعه الصورة. وبحسب وكالة رويترز، تعمد المخرج تجنب القالب المتكرر لأفلام نهاية العالم التي تمتلئ بالموتى الأحياء، مؤكدا أنه أراد منح الحكاية قدرا من التفاؤل، لأنه يعد وجود الأمل عنصرا أساسيا في الفيلم.
ولا ينفي هذا الاختيار حضور العنف أو الخوف؛ فالعالم الذي يتحرك داخله هيغ محاط بمجموعات مسلحة ومجتمعات صغيرة لا تعرف من يمكن الوثوق به، لكنّ الخطر لا يتحول إلى غاية العمل الوحيدة.
يستخدم سكوت الفراغ الشاسع والطرق الخالية والمطار المهجور والطائرة الصغيرة لتجسيد الوحدة، ثم يضع داخل هذا العالم الخاوي شخصيات لا تزال تبحث عن معنى للعيش.
ويقول مؤلف الرواية بيتر هيلر، إنه لم يفرض شروطا على عملية الاقتباس، لأن السينما وسيط مختلف له متطلباته، لكنه وجد أن الفيلم حافظ على جوهر الكتاب، الذي يتلخص في ضرورة بقاء القلب مفتوحا والاستعداد للمخاطرة من أجل الآخرين.

من صفحة الرواية إلى الشاشة
صدرت رواية "نجوم الكلب" عام 2012، قبل سنوات من جائحة كورونا، وقدمت عالما مر بوباء قضى على غالبية سكانه. يعيش البطل داخل حظيرة طائرات برفقة كلبه جاسبر وبانغلي المسلح، ويقضي أيامه بين التحليق والصيد وتأمين احتياجات البقاء، إلى أن تقوده إشارة إذاعية غامضة إلى الخروج من عزلته.
ولا تبني الرواية عالمها على تفاصيل الكارثة وحدها، وإنما على أثرها النفسي في الناجين؛ فالبطل يحمل حزنه على زوجته والموتى، ويقاوم تحول الحياة إلى سلسلة من الإجراءات الدفاعية الخالية من العلاقات. وتجمع لغة هيلر بين خشونة عالم النجاة وتأملات في الطبيعة والحب والصداقة والفقد.
كتب السيناريو مارك إل. سميث، الذي شارك في كتابة "العائد" (The Revenant) وألّف "سماء منتصف الليل" (The Midnight Sky). ويبدو اختياره منسجما مع طبيعة المشروع؛ إذ سبق له العمل على حكايات تضع شخصيات معزولة في مواجهة بيئات قاسية، وتستخدم معركة البقاء للكشف عن الخوف والذنب والرغبة في التواصل.
تغير بطل الفيلم الذي كان بول ميسكال، إذ ارتبط إعلان اسمه بالفيلم أواخر عام 2024، بعد تعاونه مع سكوت في "غلادياتور 2" (Gladiator II)، لكنه لم يتمكن من المشاركة بسبب تعارض مواعيد التصوير مع مشروعه المتعلق بفرقة "البيتلز" تحت إدارة سام مينديز.
وانتقلت البطولة مطلع 2025 إلى جاكوب إلوردي، الذي كان قد وسع حضوره السينمائي بعد مسلسل "يوفوريا" (Euphoria)، وشارك في أفلام مثل "بريسيلا" (Priscilla) و"سولتبيرن" (Saltburn)، قبل أن يقدم شخصية المخلوق في "فرانكنشتاين" (Frankenstein). ويمنحه "نجوم الكلب" مساحة مختلفة، إذ تقوم الشخصية على الحزن والصمت والبحث عن معنى بقدر اعتمادها على مشاهد الحركة.
انطلق التصوير في إيطاليا خلال أبريل/نيسان 2025، رغم أن الأحداث تقع في كولورادو، واعتمد سكوت على المواقع الطبيعية الواسعة وعلى التصوير بعدة كاميرات. وقال إلوردي إن ضخامة الإنتاج تعكس أسلوب المخرج المعروف ببناء العوالم الكبيرة، موضحا أنه أمضى وقتا طويلا في المواقع الخارجية.
وأضاف أن العمل مع الكلب راك جاسبر استند إلى فريق من المدربين، بينما كان دوره العملي في كثير من الأحيان يقتصر على الاحتفاظ بمكافأة صغيرة في جيبه لجذب انتباه الكلب. وتحولت علاقتهما من عنصر داخل الحكاية إلى جزء من الحملة الترويجية، بعدما شارك الحيوان في العرض العالمي ووقف إلى جانب إلوردي أمام المصورين. ويضم فريق البطولة أيضا أليسون جاني، إلى جانب كوالي وبرولين وبيرس ووونغ.

سكوت يعود إلى مستقبله المظلم
يحمل الفيلم أهمية خاصة داخل مسيرة ريدلي سكوت، البالغ 88 عاما، لأنه يعيده إلى النوع السينمائي الذي صنع جانبا أساسيا من مكانته. فمنذ "فضائي" (Alien) عام 1979، لم يتعامل المخرج مع الخيال العلمي كصيغة فنية فقط، ولكنه اعتبره مساحة للتعرف على حقيقة الإنسان أمام الخوف والسلطة والمجهول.
وقدم في "بليد رانر" (Blade Runner) عام 1982 مدينة مستقبلية تسأل عن الحد الفاصل بين الإنسان والكائن المصنّع، ثم عاد إلى عالم "فضائي" في "بروميثيوس" (Prometheus) و"فضائي: كوفينانت". وفي "المريخي" (The Martian) وضع رائد فضاء وحيدا أمام بيئة قاتلة، لكنه جعل العلم والتعاون والفكاهة أدوات لمقاومة اليأس.
يقترب "نجوم الكلب" من "المريخي" في اهتمامه بمهارات النجاة، لكنه ينطلق من وضع أكثر قتامة؛ فالبطل في الفيلم السابق كان يحاول العودة إلى مجتمع ينتظره، أما هيغ فيعيش بعد انهيار المجتمع نفسه، ولا يعرف إن كان الخروج من مخبئه سيقوده إلى حياة جديدة أم إلى أشخاص سيحاولون قتله.
ويأتي العمل بعد مرحلة شديدة النشاط في مسيرة سكوت، أخرج خلالها "آخر مبارزة" و"بيت غوتشي" (House of Gucci) و"نابليون" (Napoleon) وغلادياتور 2. 
وبينما استعاد في هذه الأفلام عوالم تاريخية وصراعات على السلطة والثروة، يعيده فيلمه الجديد إلى مستقبل خاوٍ لا تبقى فيه الإمبراطوريات، وتصبح الثقة بين شخصين أهم من السيطرة على العالم.