«الحلم الأمريكي»... لماذا يهرب نوابغ الصين من الولايات المتحدة؟

«الحلم الأمريكي»... لماذا يهرب نوابغ الصين من الولايات المتحدة؟


كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن تحول جذري في توجهات النخبة الصينية، مع انحسار جاذبية «الحلم الأمريكي» لدى العلماء والمبدعين ورجال الأعمال، الذين باتوا يرون في واشنطن نموذجًا يفقد بريقه الإستراتيجي.
وأكدت الصحيفة أن تعقيدات قوانين الهجرة، وتصاعد معدلات الجريمة، وتردي البنية التحتية في الولايات المتحدة، دفعت بأذكى العقول الصينية إلى تفضيل الاستقرار في وطنهم على وعود «الفرص اللامحدودة» العابرة للمحيط.
أفول النموذج الأمريكي .. لعقود مضت، كانت واشنطن تمثل للصينيين «المدينة المضيئة على التل» ونموذجًا لدولة القانون والرفاهية، إلا أن هذا المشهد اهتز بعنف في السنوات الأخيرة. فبينما كانت رسائل الإعلام الرسمي الصيني حول «فوضى أمريكا» لا تجد صدى واسعًا في الماضي، باتت اليوم واقعًا ملموسًا يعيشه الطلاب الصينيون في شوارع نيويورك وسان فرانسيسكو. كما تشير البيانات إلى أن الإغراءات الأمريكية لم تعد تكفي لمواجهة التحديات المعيشية الصعبة، حيث يشتكي المهاجرون الصينيون من تكاليف المعيشة الباهظة في المدن الساحلية الأمريكية.  وبالمقابل، شهدت المدن الصينية الكبرى طفرة في جودة الحياة، حيث أصبحت أكثر نظافة وأمانًا، وترتبط بشبكات متطورة من القطارات السريعة ووسائل النقل الذكية. يستثمر الرئيس الصيني شي جين بينغ هذا التحول لتثبيت أركان حكمه، خاصة في وقت يواجه فيه الاقتصاد الصيني تحديات متمثلة في ركود العقارات وضعف سوق العمل. فبينما كان تراجع النمو الاقتصادي يمثل في السابق تهديدًا لشرعية الحزب الشيوعي، أصبح النموذج الأمريكي البديل يبدو اليوم أقل جاذبية وتماسكًا في نظر المواطن الصيني.
فخ «خط القتل .. علاوة على ذلك، تضج منصات التواصل الاجتماعي في الصين بمصطلح «خط القتل»، وهو تعبير مستعار من الألعاب الإلكترونية لوصف حالة ملايين الأمريكيين الذين يعيشون على حافة الانهيار المالي. وتنتشر مقاطع فيديو تحذر من أن فاتورة طبية واحدة أو فقدان وظيفة في الولايات المتحدة كفيلان بإلقاء الفرد في غياهب التشرد والفقر المدقع. وعلى الصعيد العلمي، رصدت التقارير هجرة عكسية لافتة للعلماء الحاصلين على أرقى الشهادات من الجامعات الأمريكية، حيث غادر أكثر من 1400 عالم صيني وظائفهم في أمريكا للعمل في الصين. وتَعزَّز هذا التوجه بعد ملاحقات أمنية أمريكية استهدفت الأكاديميين من أصول صينية بتهم التجسس؛ ما خلق بيئة عمل مشحونة بالريبة والخوف. وتجذب بكين هؤلاء العلماء بعروض سخية تشمل تمويلًا ضخمًا للأبحاث، ومختبرات فائقة التطور، وبيئة اجتماعية تتسم بالأمان والاستقرار المفقود في المدن الأمريكية الكبرى. ولم يعد الأمر مقتصرًا على الدعم الحكومي، بل أصبحت الشركات التكنولوجية الصينية الكبرى تقدم رواتب تنافسية تجذب الكفاءات من «سيليكون فالي» إلى «شنتشن» و»هانغتشو».
هجرة النخبة المعاكسة.. وفي سياق متصل، أعرب أولياء أمور من النخبة الصينية عن قلقهم من إرسال أبنائهم للدراسة في الولايات المتحدة، مفضلين بدائل أخرى، مثل: بريطانيا أو أستراليا. ويرى هؤلاء أن تجربة العيش في أمريكا لم تعد توفر الأمان الشخصي، خاصة مع تكرار حوادث إطلاق النار العشوائي وتصاعد جرائم الكراهية ضد الآسيويين. ورغم أن إحصاءات الجريمة في أمريكا شهدت انخفاضًا نسبيًّا مؤخرًا، فإنها تظل مرتفعة جدًّا مقارنة بالصين التي تسجل معدلات قتل ضئيلة للغاية. ويخلق هذا التفاوت شعورًا بالرعب لدى الطلاب الصينيين الذين نشؤوا في بيئة مقيدة سياسيًّا لكنها آمنة جسديًّا؛ ما يجعل الفوضى الأمريكية «صدمة حضارية» لا يمكن احتمالها. و أصبح الإعلام في بكين أكثر ذكاءً واحترافية في تسويق رسائله، حيث يستهدف جيل الشباب بمحتوى بصري متطور يكشف عورات المجتمع الأمريكي. وتستخدم وسائل الاعلام مقاطع فيديو واقعية توثق عنف الشرطة أو أزمات المشردين، لتعزيز فكرة أن «النموذج الصيني» هو الحصن ضد الفوضى. ومع استمرار انغلاق أبواب الهجرة الأمريكية وتصاعد الأزمات الاجتماعية، يبدو أن بكين ستظل الوجهة المفضلة لأبنائها الذين لم يعودوا يرون في «العم سام» نموذجًا يحتذى به.