«منطقة رمادية» تحت النار.. كيف سقطت هوليايبولي الأوكرانية؟

«منطقة رمادية» تحت النار.. كيف سقطت هوليايبولي الأوكرانية؟


رأى خبراء أن سقوط مدينة هوليايبولي الأوكرانية، جاء بعد أن تحولت إلى «منطقة رمادية» نتيجة تداخل العمليات بين المشاة الروس والطائرات المسيرة، في ظل تفوق عددي روسي واضح ونقص حاد في وحدات المشاة الأوكرانية.
ولم تسقط هوليايبولي بضربة واحدة، بل تآكلت ببطء تحت ضغط نار مركب من الهجوم الجوي والزحف الميداني، وأصبحت عقدة دفاعية أوكرانية ومساحة رمادية مفتوحة في الجنوب على كل الاحتمالات. وأضاف الخبراء لـ»إرم نيوز»، أن التقدم الروسي، الذي جاء عبر الأرياف المفتوحة في إقليم زابوريجيا، اعتمد على تسلل مجموعات صغيرة مدعومة بضربات كثيفة من الطائرات المسيرة والمدفعية، مستفيداً من تآكل الدفاعات وغياب التبديل والدعم، الأمر الذي أضعف خطوط الدفاع ودفعها إلى التراجع التدريجي. وأشاروا إلى أن المشاة يبقون العامل الحاسم في السيطرة على الأرض، وأن النقص والفرار والتجنيد القسري أضعف القدرة القتالية الأوكرانية، هو ما جعل المدينة ساحة قتال مفتوحة دون حسم نهائي. باتت هوليايبولي نموذجًا لحرب استنزاف حديثة، تحسمها كثافة المشاة وقدرتهم على التمركز، لا السيطرة الجوية وحدها، وهو ما يكشف عن مأزق أوسع يواجه الجيش الأوكراني على امتداد الجبهة.

انهيار تدريجي
الدكتور آصف ملحم، مدير مركز «جي إس إم» للأبحاث والدراسات في روسيا، قال إن سقوط مراكز قيادية في هوليايبولي جاء نتيجة انهيار تدريجي داخل الوحدات الأوكرانية، بفعل الاستنزاف الطويل ونقص الأفراد والخسائر المتراكمة.  
وكشف لـ»إرم نيوز»، أن السيطرة الروسية على مركز قيادة الكتيبة لم تكن نتيجة هجوم خاطف فقط، بل سبقتها موجات فرار جماعي كشفت عن تآكل القدرة القتالية، مشيرًا إلى أن الصمود لفترات طويلة بات مستحيلاً في هذا القطاع.
وذكر الدكتور ملحم أن اللواء 102 كان يعاني من إنهاك شديد منذ أشهر، ومع تقليص عديده لم يعد قادراً على تنفيذ مهام دفاعية فعالة، لافتًا إلى أن قرار إعادته المفاجئة إلى خطوط القتال بعد إلغاء فترة الراحة شكل نقطة انهيار نفسية وميدانية دفعت عشرات الجنود إلى مغادرة مواقعهم.
وأضاف أن وحدات المشاة المنتشرة في هوليايبولي لم تكن تمتلك الحد الأدنى من العناصر اللازمة لتأمين مواقعها، موضحًا أن الفجوة بين التشكيل النظري والواقع الفعلي جعلت هذه الوحدات عاجزة عن القتال المنظم.
وأشار الدكتور ملحم إلى أن المشاة الأوكرانيين يتحملون العبء الأكبر في الحرب، وأن ضعفهم يفتح الطريق أمام تقدم الخصم على الأرض، مؤكدًا أن السيطرة لا تتحقق بالطائرات وحدها بل عبر المشاة.
واعتبر أن النقص الحاد والفرار الجماعي والتجنيد القسري عناصر حاسمة في تراجع القدرة الأوكرانية، مضيفاً أن الجيش بات يعتمد على مجندين جرى اقتيادهم دون تأهيل كافٍ، ما يفاقم الأزمة..
 موضحًا أن الأعداد الفعلية على الجبهة أقل بكثير مما يعلن، وهو ما يفسر الانهيارات المتكررة في بعض القطاعات.

 منطقة رمادية
بدوره قال الدكتور سعيد سلام، مدير مركز «فيجن» للدراسات الاستراتيجية في أوكرانيا، إن هوليايبولي تحولت خلال نهاية شهري كانون الثاني/ديسمبر وبداية كانون الأول/يناير إلى ما يوصف عسكرياً بـ»المنطقة الرمادية»، حيث تتداخل السيطرة والنفوذ دون حسم نهائي.
وبيّن لـ»إرم نيوز»، أن التقدم الروسي استند إلى اختراقات تكتيكية من محاور متعددة، مستفيدًا من ضعف توزيع الدفاعات الأوكرانية، لكنه لم يصل إلى سيطرة كاملة كما تروج موسكو. وأشار الدكتور سلام إلى أن القتال داخل المدينة يجري دون خطوط جبهة واضحة، مع استمرار وجود وحدات أوكرانية فاعلة، مؤكدًا أن المعارك لا تزال مفتوحة. ولفت إلى أن القوات الروسية اعتمدت على مجموعات مشاة صغيرة مدعومة بطائرات مسيرة ومدفعية، وهو ما مكنها من التوغل والسيطرة على نقاط حساسة كانت تستخدم كمراكز قيادة قبل انسحاب القوات المدافعة، مضيفًا أن العوامل الجوية وطبيعة البيئة العمرانية وفرت غطاء لحركة المشاة الروس وحدت من فعالية المسيرات الأوكرانية. وأوضح الدكتور سلام أن الدفاع الأوكراني بات أكثر اعتماداً على الطائرات المسيرة لتعويض نقص المشاة، مع تنفيذ هجمات موضعية وكمائن تهدف إلى استنزاف القوات الروسية ومنعها من تثبيت مواقعها.
وذكر أن هوليايبولي تعكس تحولاً في طبيعة الحرب، حيث تلعب المسيرات والتسلل التكتيكي دورًا حاسمًا في تقرير مصير المدن دون معارك تقليدية واسعة.