أمريكا وكندا.. «زواج جيوسياسي» تحكمه الجغرافيا
في قراءة تحليلية للعلاقات الأمريكية - الكندية، يذهب الكاتب والمفكر الجيوسياسي الأمريكي جورج فريدمان إلى أن التوترات المتكررة بين واشنطن وأوتاوا لا تعكس أزمة وجودية بقدر ما تكشف طبيعة علاقة لا يمكن فكّها، تحكمها الجغرافيا والاعتماد المتبادل والضرورات الاستراتيجية.
وقال فريدمان، مؤسس منصة «جيوبولتيكال فيوتشرز» في تحليله بالموقع البحثي الأمريكي، إن العلاقة بين الولايات المتحدة وكندا تشبه علاقة زوجين يعيشان جنباً إلى جنب، تجمعهما فضائل مشتركة، وتفرقهما في الوقت ذاته حساسيات متراكمة، مضيفاً أن الجغرافيا جعلت هذا «الزواج» أمراً لا فكاك منه، إذ تتشارك الدولتان أطول حدود برية في العالم، ما يجعل أي حديث عن القطيعة أو الانفصال ضرباً من الوهم السياسي.
وأوضح فريدمان أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يعمّق هذه العلاقة، فقرابة 75% من صادرات كندا تتجه إلى الولايات المتحدة، في حين تذهب أقل من 25% من الصادرات الأمريكية إلى كندا، ورغم أن الأرقام تظهر اعتماداً كندياً أكبر، فإن حجم التبادل التجاري بين البلدين يخلق حالة من الترابط البنيوي لا يمكن كسرها.
أمن مشترك لا
يقبل القسمة
وتابع الكاتب أن الشراكة الأمنية بين البلدين أكثر عمقاً من الشراكة الاقتصادية، مشيراً إلى أن الأمن القومي الكندي مرتبط عضوياً بالأمن الأمريكي. فخلال الحرب الباردة، كان التهديد النووي السوفيتي يمر عبر القطب الشمالي، ما استدعى إنشاء شبكة إنذار مبكر داخل الأراضي الكندية.
وأضاف أن قيادة الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية تمثل نموذجاً فريداً للتكامل العسكري، إذ تُدار بقيادة أمريكية ونائب كندي، مؤكداً أن أي مشروع دفاعي أمريكي مستقبلي، مثل منظومة القبة الذهبية التي يتحدث عنها الرئيس دونالد ترامب، لا يمكن أن يرى النور دون مشاركة كندية كاملة.
«الإزعاج المحسوب»
وأوضح فريدمان أن التوترات الأخيرة، خصوصاً في ظل سياسات ترامب التجارية، لا تعني رغبة أمريكية حقيقية في كسر العلاقة مع كندا، بل تندرج ضمن استراتيجية أوسع ذات شقين: تقليص الانخراط الأمريكي في نصف الكرة الشرقي، مقابل تعزيز الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي.
وأضاف أن فرض الرسوم الجمركية، حتى على الحلفاء، يأتي في ســـــياق ما يسميه ترامب «الهدم الخلّاق»، بهدف إعادة تشــــكيل الاقتصاد الأمريكي وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية، حتى لو تسبب ذلك في إلحاق ضرر مؤقت بحلفاء مثل كندا.
القوى المتوسطة
وأشار الكاتب إلى أن هذه السياسات دفعت رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى إطلاق خطاب لافت في منتدى دافوس، دعا فيه إلى أن تتولى «القوى المتوسطة» دوراً أكبر في تشكيل النظام العالمي، بدلاً من الاعتماد على القوى الكبرى. بيد أن فريدمان انتقد هذا الطرح، معتبراً أن مفهوم «القوى المتوسطة» يعاني من تناقض بنيوي، إذ إن هذه الدول - مثل بريطانيا، وألمانيا، واليابان، والهند، وكوريا الجنوبية - تظل، بحكم تعريفها، محدودة القدرة، ومعتمدة بدرجات متفاوتة على القوى الكبرى عسكرياً أو اقتصادياً.
وأضاف أن هذه الدول لا تمتلك رؤية استراتيجية موحدة، ولا مصالح متطابقة، ما يجعل قدرتها على العمل الجماعي لإعادة تشكيل النظام العالمي أمراً بالغ الصعوبة.
بين الخطاب والواقع
وتابع الكاتب أن المفارقة في خطاب كارني تكمن في توقيعه اتفاقاً اقتصادياً مع الصين، إحدى القوى العظمى التي يُفترض أن «القوى المتوسطة» تسعى إلى موازنتها أو تقليص نفوذها. واعتبر أن الخطاب السياسي، رغم أهميته في رفع المعنويات الوطنية، لا يمكنه تجاوز حقائق الجغرافيا وموازين القوة.
وأكد فريدمان أن الولايات المتحدة لا تمانع في أن تتحمل القوى المتوسطة قدراً أكبر من إدارة أقاليمها، بما يخفف العبء عن واشنطن، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن هذه القوى لا تستطيع الحلول محل القوى الكبرى.
الضرورة أقوى
من الخلاف
واختتم الكاتب بالتأكيد على أن العلاقة بين الولايات المتحدة وكندا لا يمكن كسرها أو استبدالها، مهما بلغت حدة الخلافات السياسية أو التجارية. فهي علاقة تحكمها الضرورة قبل الرغبة، والواقع قبل الخطاب. وإذا كانت العلاقات بين الدول تشبه أحياناً العلاقات الزوجية، فإن هذا «الزواج الجيوسياسي» محكوم بالاستمرار، لا بالعاطفة، بل بحقائق لا يغيرها الزمن.