اتصال بوتين ولولا.. «تحرك وقائي» لكبح تمدد واشنطن في أمريكا اللاتينية

اتصال بوتين ولولا.. «تحرك وقائي» لكبح تمدد واشنطن في أمريكا اللاتينية


حمل الاتصال الهاتفي بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره البرازيلي لولا دا سيلفا دلالات تتجاوز المجاملة الدبلوماسية في توقيت بالغ الحساسية.
وتحوّل الاتصال، بحسب مراقبين، إلى «رسالة سياسية مركّبة» في قلب اشتعال أمريكا اللاتينية، عقب اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وتصاعد حملة إدارة دونالد ترامب لإعادة فرض السيطرة الأمريكية على الإقليم.

تطابق المواقف
وشدّد البيان المشترك للدولتين على تطابق مواقف موسكو وبرازيليا بشأن «ضمان السيادة وحماية المصالح الوطنية لفنزويلا»، مع الاتفاق على تكثيف التنسيق داخل الأمم المتحدة ومجموعة بريكس لاحتواء التصعيد في أمريكا اللاتينية.
من جانبه، تبنّى لولا دا سيلفا لهجة غير مسبوقة في حدّتها تجاه واشنطن، خاصة أنه وصف اعتقال مادورو والقصف الأمريكي بأنه «تجاوز لخط غير مقبول»، محذّراً من أن «مهاجمة البلدان في انتهاك صارخ للقانون الدولي هي الخطوة الأولى نحو عالم من العنف والفوضى، حيث يسود قانون الأقوى».
ووفقاً للمراقبين، لم تكن تصريحات لولا دفاعاً مباشراً عن مادورو بقدر ما كانت دفاعاً عن فكرة أمريكا اللاتينية كمنطقة يُفترض أن تبقى خارج منطق التدخل العسكري.
إلا أن الموقف الروسي جاء أكثر صدامية، خاصة أن وزير الخارجية سيرغي لافروف اعتبر العملية الأمريكية «انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي»، مؤكداً أن موسكو لا تشارك واشنطن تقييمها للوضع في فنزويلا، وأن «الأغلبية العالمية الساحقة» ترى في ما جرى عدواناً مرفوضاً.
وعلى وقع هذه التطورات، لا تُخفي إدارة ترامب أن ما جرى في فنزويلا يندرج ضمن ما يُسمى «ملحق ترامب لعقيدة مونرو»، الهادف إلى منع أي نفوذ دولي منافس داخل نصف الكرة الغربي.
ولا سيما أن تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، التي أقرّ فيها بأن واشنطن «تسيطر على فنزويلا عبر التحكم في موارد الطاقة وأوتار المحفظة»، تكشف بوضوح أن القضية تتجاوز مكافحة المخدرات إلى إعادة هندسة السلطة والاقتصاد في دولة تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم.

تفعيل «بريكس»
البعد المؤسسي للمكالمة لا يقل أهمية، إذ إن الاتفاق على تفعيل قنوات «بريكس» يعكس سعياً لتحويل الأزمة إلى اختبار حقيقي لقدرة التكتل على أداء دور سياسي، ليس اقتصاديا فقط.
ورغم أن البرازيل سبق أن تحفّظت على انضمام فنزويلا إلى «بريكس» بسبب الجدل حول شرعية الانتخابات، فإن التدخل العسكري الأمريكي قد يدفع برازيليا إلى مراجعة حساباتها، خشية أن يتحوّل الصمت إلى سابقة تهددها مستقبلاً.
ومن الناحية الإقليمية، أعادت هذه الأزمة فرز المواقف في أمريكا اللاتينية، إذ أبدت دول ذات توجهات يسارية رفضاً صريحاً للتحرك الأمريكي، فيما اختارت حكومات أخرى الصمت أو الدعم الضمني.
هذا الانقسام يهدد بإعادة إنتاج خريطة استقطاب قديمة، ويزيد المخاوف من موجات لجوء جديدة نحو البرازيل ودول الجوار، في حال انزلقت فنزويلا إلى فوضى طويلة.
ومن الناحية العسكرية، لا يمكن فصل الاتصال عن الرسائل غير المباشرة التي تبعثها تحركات بريكس البحرية والتنسيق الدفاعي المتزايد بين روسيا والصين وشركائهما.
ووفقاً للمراقبين، فإن ما يجري في كاراكاس اليوم قد يرسم حدود القوة والنفوذ في عالم لم يعد أحادياً، لكنه لم يستقر بعد على تعددية واضحة المعالم.