القارة المتمردة.. لماذا تجرؤ أفريقيا على تحدي ترامب بينما تصمت أوروبا؟

القارة المتمردة.. لماذا تجرؤ أفريقيا على تحدي ترامب بينما تصمت أوروبا؟


بينما استشهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمبدأ مونرو لتبرير اعتقال الزعيم الفنزويلي القوي نيكولاس مادورو، لم يتوقف عند هذا الحد، بل أكد أيضاً على مبدأ فج يوجه مغامراته الخارجية: «من المهم أن تجعلوني سعيداً»، كما قال للصحفيين. فشل مادورو في هذه المهمة بعد رفضه أمر استسلام من ترامب، ومن ثم اعتقلته كوماندوز قوات دلتا في جوف الليل من مجمعه في كاراكاس، وأودع بلا احتفاء في مركز الاحتجاز متروبوليتان في نيويورك. لكن رغم تحذير الرئيس الأمريكي حول ضرورة إبقائه سعيداً، المصحوب بتلميحات مثيرة حول غارات مستقبلية محتملة على دول مثل كوبا وكولومبيا والمكسيك، برزت قارة واحدة في استعدادها لتحديه: أفريقيا.
أدانت الحكومات الأفريقية والمنظمات الإقليمية للقارة على نطاق واسع اعتقال مادورو.
كانت جنوب أفريقيا من بين أكثر الدول صراحة، حيث حذر مبعوثها لدى الأمم المتحدة من أن مثل هذه الإجراءات إذا تُركت دون عقاب تخاطر بـ»الارتداد إلى عالم ما قبل الأمم المتحدة، عالم منحنا حربين عالميتين وحشيتين، ونظام دولي عرضة لعدم الاستقرار الهيكلي الشديد والفوضى». كما أدان كل من الاتحاد الأفريقي، الهيئة القارية الشاملة التي تضم 54 دولة معترف بها، والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا المكونة من 15 عضواً، بشكل قاطع دبلوماسية ترامب القائمة على القوة العسكرية. 
بل إن الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني كان لديه الجرأة لإصدار تحدٍ صريح لواشنطن: إذا حاولت القوات الأمريكية الخدعة نفسها في بلاده، تفاخر قائلاً «يمكننا هزيمتهم»، وهو انعكاس لعلاقته الودية مع الرئيس الأمريكي عام 2018، عندما قال إنه «يحب ترامب» بسبب صراحته.

التناقض الأوروبي
تتناقض صراحة أفريقيا ووحدتها بشأن مادورو بشكل كبير مع الاستجابة الأكثر تشرذماً من أمريكا اللاتينية، وكذلك الردود المتحفظة إلى حد كبير القادمة من أوروبا، التي تركز أكثر على طمع ترامب في غرينلاند.
خوفاً من المخاطرة بانفتاح صدع مع واشنطن، انتظر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر 16 ساعة بعد اعتقال مادورو وزوجته قبل أن يخطو بحذر على حبل دبلوماسي مشدود، حريصاً على تجنب السقوط في أي اتجاه.
بينما أبرز تفضيله لاحترام القانون الدولي، قال: «لا نذرف أي دموع على نهاية نظامه». تجنب آخرون بالمثل إثارة غضب ترامب، حيث قال رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس بصراحة إن الآن ليس الوقت المناسب لمناقشة أساليب ترامب العضلية، وهو موقف يشاركه المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

 لماذا تتحدى أفريقيا؟
إذن، لماذا لم يرقص القادة الأفارقة على نفس اللحن الأوروبي الحذر؟ جزئياً لأن لديهم أقل ما يخسرونه. لا تزال أوروبا تأمل في أن تتمكن من التأثير على ترامب، وتلطيف مواقفه وتجنب حدوث شرخ لا يمكن إصلاحه في التحالف عبر الأطلسي، خاصة فيما يتعلق بغرينلاند، كما اقترحت تيغيستي أماري من معهد تشاتام هاوس البريطاني. وقالت أماري لمجلة بوليتيكو: «مع التخفيضات الدراماتية في أموال التنمية الأمريكية لأفريقيا التي نفذها ترامب بالفعل، لم تعد نفوذ واشنطن قوية كما كانت من قبل. والولايات المتحدة لا تولي حقاً أهمية كبيرة لأفريقيا، ما لم يكن الأمر يتعلق بجمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث توجد مصالح أمريكية واضحة في المعادن «.
وأضافت: «من حيث حجم التجارة، يظل الاتحاد الأوروبي المنطقة الأهم لأفريقيا، تليها الصين، مع تزايد أهمية دول الخليج».

 تاريخ من الإهانات
بالتأكيد، لم يبذل ترامب جهداً لتكوين أصدقاء في أفريقيا. بل العكس تماماً، استخدم القارة ككيس ملاكمة، مطلقاً تصريحات مثيرة للجدل تعود إلى ولايته الأولى، عندما وصف الدول الأفريقية بأنها «دول حثالة». ومنذ ذلك الحين، كانت هناك خلافات كثيرة حول حظر السفر، والرسوم الجمركية الباهظة، وتفكيك وكالة التنمية الدولية الأمريكية، التي يُنسب إليها إنقاذ ملايين الأرواح الأفريقية على مدى عقود.
في مايو، حاضر ترامب أيضاً الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا في المكتب البيضاوي حول ما زعم أنه يرقى إلى الإبادة الجماعية ضد البيض في جنوب أفريقيا، حتى إنه أمر في لحظة ما بتعتيم الأضواء لعرض مقاطع لقادة من حزب أقلية جنوب أفريقي يشجعون الهجمات على السكان البيض في البلاد.
ثم قاطعت واشنطن قمة مجموعة العشرين التي استضافتها جنوب أفريقيا في نوفمبر، وألغت دعوة البلاد لتجمع هذا العام الذي ستستضيفه الولايات المتحدة.

 ذكريات الاستعمار
 والحفاظ على الذات
وفقاً لأماري، فإن إدانة أفريقيا لاختطاف مادورو لا تُظهر فقط القلق بشأن فنزويلا؛ في جزء منها، تغذيها أيضاً ذكرى الاستعمار. قالت: «الأمر لا يتعلق فقط بالتضامن، بل يتعلق أيضاً بحماية القواعد التي تحد من كيفية استخدام الدول القوية للقوة ضد الدول الأكثر ضعفاً».
ترى الدول الأفريقية خطوة ترامب ضد مادورو «كتهديد حقيقي للقانون الدولي والمعايير التي تحمي بقاء سيادة الدول الصغيرة».
في الواقع، قد يشعر القادة الأفارقة أيضاً بأن ياقاتهم تضيق، ويقلقون من كونهم في خط النار.
تقول أوغي أونوبوغو، مديرة برنامج أفريقيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: «هناك عنصر من الحفاظ على الذات يدخل حيز التنفيذ هنا لأن بعض القادة الأفارقة يشتركون في أوجه تشابه مع حكومة مادورو».
 حسابات براغماتية
السؤال هو، هل سيكون القادة الأفارقة حذرين من التحالف مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو الرئيس الصيني شي جين بينغ، الآن بعد أن كشف ترامب عن عجز الصداقة مع أي منهما من خلال الإطاحة بالزعيم الفنزويلي القوي؟
وفقاً لأونوبوغو، حتى قبل الإطاحة بمادورو، فهم القادة الأفارقة أن النظام العالمي قد تغير بشكل كبير، وأننا عدنا إلى حقبة المنافسة بين القوى العظمى.
قالت: «القادة الأفراد سيقومون بحساباتهم الخاصة بناءً على ما هو في صالحهم ومصالحهم. لا أريد التعميم والقول إن بعض البلدان الأفريقية قد تتراجع عن التعامل مع الصين أو روسيا. سيلعبون اللعبة بينما يحاولون معرفة كيف يمكنهم الخروج في القمة».
تقف أفريقيا كقارة فريدة في تحديها الجريء لترامب، مدفوعة بمزيج من قلة الاعتماد على واشنطن، وذكريات الاستعمار، ومخاوف من سابقة خطيرة قد تهدد سيادة الدول الضعيفة. 
وبينما تمشي أوروبا على حبل مشدود خوفاً من إغضاب البيت الأبيض، تختار أفريقيا الصراحة والوحدة، مرسلة رسالة واضحة: ليست كل القارات مستعدة للرقص على لحن ترامب.