بعد تراجع النفوذ بالساحل الأفريقي.. فرنسا تعزز حضورها في بنين
في الوقت الذي تشهد علاقات باريس مع دول الساحل توترات متزايدة، يبدو أن التعاون الفرنسي-البنيني أخذ منحى تصاعدياً، حيث امتد ليشمل الأمن والثقافة والاستثمارات الاستراتيجية. وتُظهر الزيارة الرسمية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى كوتونو في 27 يوليو 2022، والتي التقى خلالها بالرئيس البنيني باتريس تالون، حرص الطرفين على ترسيخ شراكة تعتمد على أسس جديدة ومصالح متبادلة. وتأتي هذه الشراكة في سياق توترات سياسية وأمنية في المنطقة، أبرزها محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها بنين في 7 ديسمبر 2025 بقيادة المقدم باسكال تيجري. ووفقاً لمستشار ماكرون لشؤون أفريقيا، جيريمي روبرت، تدخلت فرنسا لدعم تالون عبر "المراقبة والرصد والإمداد اللوجستي للجيش البنيني"، بينما تولت قوات إيكواس والقوات النيجيرية معالجة المتمردين في معسكر توغبين العسكري. وأكدت السلطات البنينية لاحقاً أن قواتها أنجزت الجزء الأكبر من العملية؛ ما أسهم في تعزيز سيطرتها على الوضع.
تعزيز التعاون العسكري لمكافحة الإرهاب
تتميز العلاقات الفرنسية-البنينية بتعاون عسكري طويل الأمد، تصاعد منذ عام 2019 نتيجة هجمات المتشددين في شمال شرقي البلاد قرب بوركينا فاسو والنيجر. وقد أسهمت فرنسا في تحديث الجيش البنيني، بما في ذلك إنشاء الحرس الوطني المختص بأمن الحدود ومكافحة الإرهاب، وتزويد هذا الفيلق بأحدث المعدات اللوجستية. ويتلقى أفراد الحرس الوطني تدريبات متخصصة من مدربين فرنسيين، دون إقامة دائمة لهم في البلاد؛ ما عزز من جاهزيتهم لمواجهة التهديدات العابرة للحدود. كما شملت البرامج التدريبية الفرنسية البنينية تقنيات التطهير وإزالة الألغام في مركز التدريب المتقدم في ويدا (CPADD)، وتعاوناً ثلاثياً مع ساحل العاج لإنشاء الأكاديمية الدولية لمكافحة الإرهاب (AILCT) قرب أبيدجان، حيث يتم تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق العسكري بين الدول الثلاث بشكل دوري.
وتعتبر هذه الشراكة العسكرية جزءاً أساسياً من الجهود لتعزيز الأمن الإقليمي والحفاظ على استقرار بنين في مواجهة الجماعات المسلحة.
الثقافة والتنمية الاقتصادية في قلب الشراكة
لم يقتصر التعاون الفرنسي-البنيني على الأمن، بل شمل مجالات الثقافة والاقتصاد. فقد ساهمت فرنسا في إعادة 26 قطعة من الكنوز الملكية إلى بنين عام 2021، في خطوة رمزية لتقوية الروابط التاريخية والثقافية بين البلدين.
كما تركز الاستثمارات الفرنسية على تطوير السياحة والبنية التحتية الثقافية، بما في ذلك إنشاء متحف الملوك والأمازون في دانومي (35 مليون يورو) ومتحف الفن المعاصر في كوتونو (30 مليون يورو)، بالإضافة إلى مركز ثقافي يضم المعهد الفرنسي الجديد وساحة تتسع لـ7000 شخص.
ويأتي هذا الدعم المالي من خلال قروض ميسرة ومنح صغيرة، بنسبة 73% قروضا و19% منحا؛ ما يعكس ثقة باريس في الإدارة المالية للبنين، ويتيح للحكومة تمويل مشاريع استراتيجية دون الاعتماد على المساعدات التقليدية.
كما تستثمر فرنسا في قطاع السياحة عبر شركات خاصة، مثل مجموعة أكور السياحية ونواد ترفيهية، لتوسيع النشاط الاقتصادي وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
تتزامن هذه الشراكة مع انسحاب فرنسا التدريجي من دول الساحل، مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر؛ ما يجعل بنين شريكاً محورياً في استراتيجية باريس لإعادة بناء حضورها في غرب أفريقيا.
ويؤكد وزير الخارجية البنيني، أولوشيغون أدجادي بكاري، أن التعاون قائم على "توافق في المصالح وليس على الظروف الجيوسياسية"، مشيراً إلى أن بنين اختارت دبلوماسية مستقلة تحافظ على مصالحها الوطنية دون الانحياز لأي طرف.