بين موسكو وترامب وأوروبا.. آيسلندا أمام «مفترق طرق»

بين موسكو وترامب وأوروبا.. آيسلندا أمام «مفترق طرق»


يتجه نحو 360 ألف آيسلندي في 29 أغسطس-آب الجاري، إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في استفتاء بشأن استئناف مفاوضات انضمام بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي، بعد توقفها عام 2015، في قرار بات يتجاوز الحسابات الاقتصادية إلى اعتبارات أمنية وجيوسياسية متزايدة.
وتكتسب آيسلندا أهمية استراتيجية بسبب موقعها بين أوروبا وأمريكا الشمالية، وعضويتها في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، رغم عدم امتلاكها جيشًا نظاميًا. كما تمثل مياهها ومجالها الجوي جزءًا مهمًا من الممرات البحرية التي تتحرك عبرها الغواصات الروسية إلى شمال الأطلسي.

ضغط أمريكي وقلق أوروبي
وزادت تصريحات مرتبطة بإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من المخاوف الآيسلندية، بعدما ألمح السفير الأمريكي في ريكيافيك، في يناير-كانون الثاني الماضي، إلى إمكانية أن تصبح آيسلندا «الولاية الأمريكية الثانية والخمسين»، قبل أن يتراجع ويصف التصريح بالمزحة. أعادت هذه التطورات إحياء النقاش حول مدى اعتماد آيسلندا على المظلة الأمنية الأمريكية، ودفع الحكومة إلى تقديم موعد الاستفتاء وجعل خيار التقارب مع الاتحاد الأوروبي أولوية. وتقول أوساط أكاديمية إن النقاش حول عضوية الاتحاد لم يعد اقتصاديًا كما كان سابقًا، بل أصبح الأمن أحد أبرز دوافعه، في ظل التوتر المتصاعد بين روسيا والغرب .
مخاوف من التضليل
بالتزامن مع الاستفتاء، تصاعدت المخاوف من حملات تضليل وتدخلات خارجية تستهدف الرأي العام الآيسلندي، خصوصًا مع انتشار روايات تزعم أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى تجنيد الآيسلنديين وإرسالهم للقتال في أوكرانيا. ويرى باحثون أن روسيا تملك مصلحة في إبقاء دول أوروبية خارج الاتحاد، بينما لا تخفي إدارة ترامب بدورها خلافاتها مع المشروع الأوروبي، ما يجعل آيسلندا عرضة لتأثيرات متنافسة، رغم صعوبة إثبات وجود تدخل مباشر. كما أثارت مشاركة مؤثرين أمريكيين مؤيدين لحركة «ماغا» في الحملات الرافضة للانضمام الأوروبي جدلًا داخل البلاد.

الصيد والاستقلال
ولا تقتصر معارضة الانضمام على التأثيرات الخارجية؛ إذ تخشى قطاعات الصيـــــد والزراعة من تداعيات العضويــــــة، خصوصـــًا احتمال فتح الميــاه الآيسلندية أمام سفن أوروبية وتغير سياسات دعم الزراعة. وتحضر كذلك مسألة السيادة بقوة في الذاكرة الوطنية الآيسلندية، بعد قرون من الارتباط بالدنمارك قبل الحصول على الاستقلال في القرن العشرين، ما يجعل أي تنازل عن جزء من القرار الوطني قضية حساسة لدى شريحة من المجتمع.

أوروبا تترقب
في المقابل، تنظر بروكسل باهتمام إلى احتمال عودة آيسلندا إلى مســار الانضمام، إذ تـــــــرى في عضوية دولــــــــة ديمقراطية مستقرة وذات اقتصاد قــــوي مكسبًا سياسيًا واستراتيجيــــــًا، خصوصًا في ظـــــل حاجــــــــة أوروبــــــا إلى تعزيـز قدراتها الأمنية والدفاعية.
وفي حال فوز معسكر «نعم»، قد تبدأ مفاوضات الانضمام سريعًا، على أن يُعرض الاتفاق النهائي لاحقًا على الآيسلنديين في استفتاء آخر.
وهكذا، لا يبدو استفتاء 29 أغسطس-آب مجرد تصويت على عضوية الاتحاد الأوروبي، بل اختبارًا لموقع آيسلندا بين الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا، ولمدى قدرتها على إعادة تعريف أمنها وسيادتها في بيئة جيوسياسية تتغير بسرعة.