جمع بينهما في خطاب الوعيد والتهديد.. لماذا ربط ترامب بين فنزويلا وغرينلاند؟

جمع بينهما في خطاب الوعيد والتهديد.. لماذا ربط ترامب بين فنزويلا وغرينلاند؟


يلفت المراقبون والمتابعون للشأن الإستراتيجي الأمريكي الانتباه إلى ضرورة الربط بين تلويحات وتلميحات الرئيس دونالد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند، وبين التصعيد العسكري الكبير في فنزويلا، مشيرين إلى أنّهما يشكلان كتلة واحدة في الرؤية الإستراتيجية لساكن البيت الأبيض ولأعضاء فريقه من صقور اليمين الجمهوري. 
فبعد 24 ساعة فقط من اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وعقيلته، واقتيادهما لنيويورك حيث سيحاكمان على تهم تخص الاتجار في المخدرات، أشار دونالد ترامب إلى نية بلاده الاستيلاء على غرينلاند، مبرزًا أهميتها القصوى في الأمن القومي الأمريكي. 

ربط لافت 
وفي مقابلة صحفية مع مجلة «ذا أتلانتيك» الأمريكية، ربط ترامب بشكل لافت بين الواقع السياسي والعسكري في فنزويلا والمتطلبات الأمنية لبلاده في غرينلاند، حيث وجّه تنبيهًا لنائبة رئيس فنزويلا ديلسي رودريغير بدفع ثمن أكبر مما دفعه مادورو إن لم تتعاون مع واشنطن، وفي الوقت ذاته جدّد مطالبه القديمة نسبيًّا بضم جزيرة غرينلاند.  
وقال حول غرينلاند: «نحتاج إلى غرينلاند بالتأكيد، نحتاج إليها من أجل أمننا». 
وردًّا على سؤال عمَّ إذا كان التصعيد العسكري في كاراكاس مؤشرًا على ما يمكن أن تقوم به واشنطن في غرينلاند قال: «عليهم أن يروا ذلك بأنفسهم، لا أعرف فعلًا». 
وأثار هذا التلويح موجة تنديد واسعة في كونبنهاغن، حيث طالبت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن الولايات المتحدة الأمريكية بالكف عن تهديداتها ضدّ حليف تاريخي، قائلة: يجب أن أقول لأمريكا بكل وضوح من غير المقبول تمامًا أن يقال إن الولايات المتحدة تريد السيطرة على غرينلاند. وشددت على أنه ليس من حقّ واشنطن ضمّ أيٍّ من المناطق الثلاث التابعة للمملكة الدنماركية وهي «الدنمارك» وإقليميْ «غرينلاند» وجزر «فارو».  ويتبع إقليم غرينلاند الدنمارك، ويحظى بالحكم الذاتي، ويقع في قلب القطب الشمالي. 

تقارب بين فنزويلا وغرينلاند
في هذا السياق، تؤكد القراءات السياسية المطلعة، أنّ ربط ترامب بين فنزويلا وغرينلاند، لا بدّ أن ينظر إليه بعمق إستراتيجيّ، حيث من طبيعة الخطاب السياسيّ الأمريكي الجمع بين الحالات التّي تُشكل الخيط الناظم لتصوره الإستراتيجي.   
فلئن مثلت فنزويلا بوابة ومقدّمة السيطرة الأمريكية الفعلية على كامل الجزء الجنوبي من القارة الأمريكية، فإنّ غرينلاند تمثل البّوابة الشمالية للجزء الشمالي الشرقي من القارة، والتي اعتبرتها العقيدة الأمنية الأمريكية عمقها الإستراتيجي ومجالها الحيويّ وفضاءها الخلفيّ.  
وبهذا المنظور تُكرس واشنطن حدودًا جديدة لأمنها القومي، حيث لم تعد مقتصرة على مجال جغرافي تحدّه كندا من الشمال والمكسيك من الجنوب، بل صارت ممتدة إلى منطقة الكاريبي في الوسط، وإلى أمريكا اللاتينية في الجنوب، وإلى غرينلاند والقطب الشمالي في الشرق.
في هذا السياق، يشير المراقبون إلى أنّ فنزويلا وغرينلاند يمثلان – على اختلافهما- بُعديْن إستراتيجيين متلازمين ومتكاملين في صياغة الرؤية الترامبية للجزء الغربي من العالم، حيث يمكن تفسير التكامل «الفنزويلي الغرينلاندي» في عدّة ملامح إستراتيجية كبرى. 
الملمح الأول يكمن في الجانب الاقتصادي والاستثماري، فلئن كانت فنزويلا خزانًا مهمًّا ومعتبرًا من النفط والغاز الطبيعي للولايات المتحدة الأمريكية والتي لم يخف مسؤولوها طمعهم وطموحهم في إدارة الملف الطاقي المهم وفي الاستيلاء على مدخراته، فإنّ غرينلاند تمثل أرضًا خصبة لموارد إستراتيجية من المعادن النادرة والثمينة والمشعة. 
حيث تزخر «أرض الناس» – كما تسمى في الاستعمال المحلي- بثنائي أكبر احتياطي في العالم للأكسيد النادر، وتحظى بما يناهز 42 مليون طن من مادة «أكسيد الليثيوم»، وهي أساسية في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والحواسيب والهواتف الذكية.  
هذا بالإضافة إلى المعادن التي تنعت بـ»الثقيلة»، (على غرار الديسبروسيوم والتيربيوم) وهي جدّ ضرورية في الليزر العسكري وفي توجيه الصواريخ وشاشات العرض المتقدّم، والمعادن المشعة على غرار «الثورانيوم» و»الثوريوم»، وهي مواد تستعمل كوقود للمفاعلات النووية وتطبيقات نووية أخرى. 
دون نسيان المعادن الأساسية والثمينة الأخرى حيث تمتلك احتياطات هائلة من موادّ الحديد والزنك والرصاص والذهب والفضة والنُّحاس، والبلاتين والبلاديوم التي تستخدم في الصناعات الطبية المتطورة جدّّا.     
بهذا الشكل، يؤكد المتابعون للشأن الأمريكي، أنّ واشنطن تعيد ترتيب سلّم أولوياتها الطاقية والتعدينية، حيث تبسط هيمنتها على «جزيرة المعادن النادرة» وعلى «مملكة الذهب الأسود»، أو هكذا يفكر المطبخ الإستراتيجي الأمريكي على الأقل. 
ويضيف المراقبون أنّ البلدين متكاملان بشكل لافت، فما هو متوفر في فنزويلا من احتياطات هائلة من النفط ومن الغاز الطبيعي، غير متوفر بشكل كبير في غريندلاند، وما هو متوفر في الجزيرة – الأرض الخضراء- من معادن نادرة وثمينة ومشعة، تفتقر إليه فنزويلا بشكل واضح. 

 الانقضاض الأمريكي على الأجنحة الصينية
غير أنّ الأهم من كل ما سبق يكمن فيما يسميه الخبراء الإستراتيجيون في «الانقضاض الأمريكي» على الأجنحة الروسية والصينية في الجزء الغربي من العالم، وهي نقطة يتقاسمها الملعب الفنزويلي كما الغرينلاندي.
فواشنطن تسعى إلى القضاء على الوجود الصيني في غرينلاند والتي تعتبرها بكين حجر زاوية «طريق الحرير القطبي».
تدرك واشنطن تمامًا مدى قيمة غرينلاند بالنسبة لبكين، فالجزيرة الدنماركية تمثل الخزان التعديني الإستراتيجي في سعي الصين إلى السيطرة النهائية والمطلقة على مجال المعادن النادرة والثمينة، وهي في الآن نفسه الخطر الإستراتيجي المحدق بهذه الهيمنة وبسلاسل التوريد وبمقاربة طريق الحرير في حال ذهبت الاحتياطات التعدينية إلى واشنطن.  ويجسد احتياطي منطقة «كفانيفيلد» الجنوبية مفتاح الرؤية الصينية، حيث يحتوي على ثاني أكبر احتياطي من العناصر الأرضية النادرة خارج الصين، ولهذا الأمر فقد وظفت شركة «شانغي ريسوريس Shenghe Resources لتأمين حصة معتبرة تقدر بـ10 في المائة من أسهم شركة غرينلاند مينيرالز Greenland Minerals، وهي الشركة التي تقف وراء مشروع كفانيفيلد للمعادن النادرة.  
في هذا المفصل الإستراتيجي، ترى واشنطن أنّ الهيمنة على فنزويلا أولًا والاستيلاء على غرينلاند ثانيًا، تعني توجيه ضربة موجعة جدّا للرؤية الاقتصادية الصينية، وتحجيم دورها، بل وإجبار بكين على مغادرة الجزء الغربي من المعمورة والتخلي عن مشروع «طريق الحرير» و»الحزام والطريق» على حدّ السواء. 
فخسارة فنزويلا تعني لبكين، فقدان نحو 20 مليار دولار من الدّيون غير المسددة بعد، وتعني أيضًا ضياع الميزة التفاضلية في النفط الفنزويلي، أما خسارة «غرينلاند» فيمكن تلخيصها بكسر الهيمنة الصينية في مجال المعادن النادرة والثمينة، وتقويض سيطرتها على هذا المجال، وتحويلها من محتكر إلى لاعب مهم.    

روسيا تتحسس الخطر 
أما بالنسبة لروسيا، فخسارة غرينلاند بشكل كامل بعد السقوط لنظام الرئيس نيكولاس مادورو في كراكاس، تعني فقدان موسكو لموطئ قدم إستراتيجي ثان بعد سوريا الأسد، واضمحلال الأنظمة المعادية لواشنطن، وتلاشي صورة روسيا كنظام يدعم حلفاءه وأصدقاءه، واهتراء منظومتها الصاروخية الدفاعية وبيان تخلفها، والأهم حصول واشنطن على موطئ قدم إستراتيجي على الحدود الشمالية الغربية لموسكو.
تُدرك واشنطن أنّ الكرملين سينظر للوثبة الأمريكية على غرينلاند، باعتبارها تحويل الجزيرة الدنماركية إلى قاعدة عسكرية أمريكية كاملة، وما كان بالأمس قاعدة عسكرية وحيدة باسم «قاعدة بيتوفيك الفضائية» ستصبح قواعد أمنية واستخباراتية، وما كان بالأمس القريب مركزًا رئيسيًّا لنظام الإنذار المبكر بالصواريخ البالستية وتتبع الأجسام الفضائية سيصبح منظومة كاملة لمراقبة الفضاء ومتابعة أنظمة الردع النووي العالمية. 
وما كان أيضًا وجودًا عسكريًّا أمريكيًّا في ممرّ غرينلاند- آيسلندا- المملكة المتحدة، قد يصير غدًا قواعد عسكرية أمريكية للسيطرة شبه الكاملة على الممرات البحرية بين المحيط الأطلسي والقطب الشمالي، وبين آسيا وأوروبا من جهة والقارة الأمريكية من جهة ثانية.  
هكذا تُقارب واشنطن مصالحها، وتبني إستراتيجياتها، وتؤثث سياساتها المراوحة بين «الحرير» و»الحديد»، وهكذا أيضًا تربط بشكل إستراتيجي بين الواقع في فنزويلا والمتوقع من غرينلاند.  

حسابات البيدر الأمريكي 
ولكن، يرى مراقبون، أنّ حسابات البيدر الأمريكي قد لا تتقاطع مع خراج الحقل في فنزويلا وغرينلاند، ففي الأولى لا تزال النخبة السياسية والعسكرية من أنصار مادورو ومن أتباعه ومؤيديه المؤدلجين يحكمون كراكاس، والمعارضة السياسية الموالية لواشنطن أضعف من أن تحكم البلاد، دون تدخل عسكري أمريكي بري كاسح.  وتشير التقارير الواردة من كاراكاس إلى أنّ سقوط مادورو لا يعني أبدًا سقوط النظام، والذي يبدو أنه فكّر في «الخطة ب»، ولم يفاجئه غياب مادورو بقدر ما فاجأته طريقة تغييبه.