محمد بن راشد : الآداب والفنون مكوّن مهم في حياة الشعوب وحضارات الأمم في كل العصور
من الجبهة إلى صناديق الإعمار.. هل تنهي خطة 2040 حرب أوكرانيا؟
يرى خبراء أن غياب المفاوضات الجادة في أوكرانيا يدفع بالصراع نحو مسارات أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الضغوط العسكرية مع الحسابات الاقتصادية والجيوسياسية، في وقت تكثفت فيه التحركات الدبلوماسية حول خطة إعادة إعمار تمتد حتى عام 2040، بتكلفة تُقدّر بين 700 و800 مليار دولار، في محاولة لربط إنهاء الحرب بمشروع ازدهار اقتصادي طويل الأمد.
وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن بلاده، بالتعاون مع الولايات المتحدة، تعمل على «خريطة طريق للازدهار» تشمل اتفاقيات استثمار وضمانات أمنية ونموًا اقتصاديًا مستدامًا، مع السعي إلى جذب التمويل عبر مزيج من حقوق الملكية والمنح والقروض ومساهمات القطاع الخاص.
وكشفت كييف عن إنشاء عدة أطر تمويلية، من بينها صندوق استرداد أوكرانيا، ومنصة الاستثمار السيادية، وصندوق التنمية والنمو، إضافة إلى صندوق استثمار أمريكي أوكراني لإعادة الإعمار.
وأكد قادة الاتحاد التزامهم بالاستثمار في الرخاء المستقبلي لأوكرانيا، ووافقوا على تقديم قروض بقيمة 90 مليار يورو للفترة 2026-2027، معتبرين أن التعافي الاقتصادي يشكل ركيزة أساسية لأي سلام مستدام.
وأكد د. نزار بوش، أستاذ العلوم السياسية بجامعة موسكو، أنه بعد متابعة ما يجري على امتداد الجبهة بين روسيا وأوكرانيا، يمكن القول إن استمرار الحرب دون الذهاب إلى مفاوضات جادة يعني أن روسيا ستتجه على الأرجح إلى حسم الوضع عسكريًا بحلول عام 2026، عبر العمليات الميدانية لا من خلال المسار السياسي، وذلك بتحرير ما تبقى من مناطق على الأرض. وأشار في حديث لـ»إرم نيوز» إلى أنه رغم الحديث المتكرر عن تفاؤل أو تقدم في العملية التفاوضية، والترويج لأن الحل بات قريبًا، فإن ما يصدر عن الجانب الأمريكي أو أطراف أخرى لا يتجاوز كونه خطابًا إعلاميًا يهدف إلى تخفيض التوتر بين روسيا والغرب، دون خطوات ملموسة يمكن البناء عليها للقول إن تسوية حقيقية أصبحت وشيكة.
وكشف بوش، أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يرزح تحت ضغوط كبيرة تشمل ضغطًا داخليًا، وضغطًا أمريكيًا، إلى جانب الضغط العسكري على الجبهة، ولم يتبقَّ له سوى الدعم الكلامي والوعود الأوروبية. ولفت أستاذ العلوم السياسية إلى أن زيلينسكي يسعى للظهور أمام العالم باعتباره لم يُهزم، وهو ما يفسر طرحه خطة تمتد حتى عام 2040، معتبرًا أن هذا الطرح بعيد عن المنطق والواقع السياسي. وأضاف أن بقاء زيلينسكي في سدة الحكم بات موضع شك، حتى في حال انتهاء الحرب، مشيرًا إلى أنه لن يكون مقبولًا لا من روسيا، ولا من الولايات المتحدة، ولا من الداخل الأوكراني.
وشكك في إمكانية جمع 800 مليار دولار لإعادة الإعمار، واصفًا الطرح بأنه يفتقر إلى الواقعية، ومتسائلًا عن الدول التي قد تستثمر في أوكرانيا، وفي أي قطاعات تحديدًا.
وأكد أن زيلينسكي يدرك أن دوره السياسي سينتهي بانتهاء الحرب، وأن فرصه في الفوز بأي انتخابات مقبلة شبه معدومة، وهو ما قد يخدم الأوروبيين سياسيًا لحفظ ماء الوجه بعد سنوات من الدعم، خاصة في ظل أوضاع اقتصادية صعبة تعاني منها دولهم، وعلى رأسها ألمانيا، إضافة إلى فرنسا التي كان اقتصادها يعاني حتى قبل عام 2022.
وأشار د. نزار بوش، إلى وجود انقسام أوروبي واضح حول استمرار دعم أوكرانيا، سواء خلال الحرب أو بعدها، لافتًا إلى أن إعادة الإعمار قد تشهد دخول الشركات الأمريكية بالدرجة الأولى ومنحها أولوية متقدمة.
وفيما يخص الولايات المتحدة، أوضح بوش أنه لا يعتقد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيتعامل بجدية مع مقترحات زيلينسكي المتعلقة بإنشاء صناديق لتمويل أوكرانيا أو إعادة إعمارها، خصوصًا أن واشنطن أنفقت أكثر من 500 مليار دولار، وتسعى حاليًا إلى استعادة هذه الأموال لا إلى ضخ تمويل جديد.
وأضاف أن ترامب، باعتباره رجل أعمال ورئيسًا يعتمد منطق الصفقات، لن ينجذب إلى الطروحات النظرية، بل سيفكر في تحقيق مكاسب اقتصادية مباشرة، مرجحًا أن يتجه إلى التعاون مع روسيا في مجالات استثمارية، خاصة في منطقة دونباس الخاضعة لسيطرة الجيش الروسي، والتي تُعد من أغنى المناطق بالفحم والمعادن النادرة.
ضمانات أمنية
من جانبه، أكد د. سعيد سلام، مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية في أوكرانيا، أن استراتيجية إعادة إعمار أوكرانيا الممتدة حتى عام 2040، والتي تُقدّر قيمتها بنحو 800 مليار دولار، تُعد أكبر مشروع جيوسياسي واقتصادي في العصر الحديث.
وقال لـ»إرم نيوز» إن هذه الاستراتيجية لا تقتصر على الترميم وإعادة البناء، بل تؤسس لقوة إقليمية اقتصادية صاعدة تعيد صياغة توازنات القوى في أوروبا وتعزز موقع أوكرانيا في النظامين الأوروبي والدولي.
وأشار إلى أن هذه الاستثمارات تأتي ضمن منظومة إعادة إعمار قائمة على صناديق استثمارية متخصصة، ومرتبطة بخطة السلام المكونة من 20 بندًا التي أعلن عنها الرئيس فولوديمير زيلينسكي، موضحًا أن الخطة تشمل تثبيت السيادة الأوكرانية، وضمانات أمنية دولية، واتفاق عدم عدوان، إلى جانب إطلاق عملية إعادة إعمار واسعة تربط بين السلام والنمو الاقتصادي.
ولفت مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية في أوكرانيا إلى اقتراح تحويل بعض مناطق شرق أوكرانيا إلى مناطق اقتصادية حرة منزوعة السلاح، معتبرًا أن الاستثمارات تمثل أداة استراتيجية لتعزيز الأمن ومنع عودة التصعيد العسكري.
وأكد سلام أن خطة الازدهار حتى 2040 تمثل فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الهوية الاقتصادية لأوكرانيا، وتهدف إلى تحويل البلاد إلى نموذج للنمو المستدام والتكامل العميق مع الأسواق الأوروبية والأطلسية، بما يسهم في رفع متوسط دخل الفرد، وخلق ملايين فرص العمل، وتشجيع عودة اللاجئين.
وأوضح مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية في أوكرانيا، أن قطاعات الطاقة والإسكان والنقل والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية تمثل محركات رئيسة لهذا التحول، مشيرًا إلى أن أوكرانيا تسعى للتحول إلى مخزن استراتيجي للطاقة في أوروبا، ومركز ابتكار عالمي، رغم استمرار التحديات الأمنية والحاجة إلى إصلاحات قانونية وقضائية لمكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة.
وأشار إلى أن مباحثات زيلينسكي وترامب في فلوريدا نهاية ديسمبر 2025 تشكل خطوة محورية لتأمين الدعم السياسي والمالي للخطة، مع التركيز على إنشاء صندوق استثماري مشترك يحول المساعدات إلى شراكات مستدامة، بالتعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا والمؤسسات الدولية.
وأكد سلام أن رؤية 2040 تستهدف تحقيق نمو اقتصادي مستدام ينعكس على جودة حياة المواطنين، مستندة إلى الابتكار والطاقة الخضراء، ومحوّلة أوكرانيا إلى نموذج عالمي للازدهار الاقتصادي.