نهاية عصر الوكلاء؟.. تراجع مليشيا «حزب الله» يُعيد رسم خريطة النفوذ الإيراني
في تطور يعكس تحوّلًا عميقًا في توازنات النفوذ الإقليمي، أكد منتدى الخليج الدولي أن لبنان بات الساحة الأكثر وضوحًا لكشف حدود نموذج النفوذ الإيراني القائم على الوكلاء. وأشار المنتدى إلى تراجع قدرات ميليشيا حزب الله وتزايد الضغوط العسكرية والدبلوماسية على طهران، في سياق الحرب التي اندلعت في فبراير- شباط 2026.
ولم تقتصر تداعيات هذه الحرب على المواجهة العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى تقويض البنية الإستراتيجية التي اعتمدت عليها إيران لعقود في توسيع نفوذها عبر شبكات إقليمية، تتصدرها ميليشيا حزب الله باعتبارها النموذج الأبرز والأكثر رسوخًا في هذا الإطار.
وفي هذا السياق، ذكر المنتدى أن التراجع الحالي في قدرات الحزب الإرهابي لا يعكس مجرد خسائر ميدانية ظرفية، بل يكشف عن ضغط مركّب يطال دوره العسكري وموقعه السياسي داخل لبنان.
يجري ذلك بالتوازي مع تحولات دبلوماسية قد تفتح مسارًا تفاوضيًّا مباشرًا بين بيروت وتل أبيب، وهو ما يحمل دلالات أوسع على إعادة تشكيل البيئة الإقليمية.
نموذج لبنان
لطالما شكّلت شبكات الوكلاء حجر الأساس في الإستراتيجية الإيرانية، حيث مكّنت طهران من توسيع نفوذها دون الانخراط المباشر في مواجهات مكلفة، إلا أن هذا النموذج، الذي وفر لإيران عمقًا جيوسياسيًّا، ارتبط في الوقت ذاته بتكلفة مرتفعة على الدول التي استضافت هذه الشبكات الإرهابية.
وذكر المنتدى أن الحرب الأخيرة أعادت تفعيل هذا النموذج بشكل مكثف، إذ لجأت إيران إلى تحريك ميليشيا حزب الله لفتح جبهة موازية ضد إسرائيل، في محاولة لتخفيف الضغط العسكري عنها.
هذه الخطوة أبرزت مجددًا أن أولويات طهران تبقى مرتبطة بحماية نظامها السياسي، حتى وإن جاء ذلك على حساب استقرار الدول أو المجتمعات التي تعمل فيها هذه الجماعات.
وقد دخلت ميليشيا حزب الله الحرب في مطلع مارس- آذار، في خطوة إستراتيجية هدفت إلى تشتيت الجهد العسكري الإسرائيلي، إلا أن تداعيات هذا القرار على لبنان كانت واسعة النطاق، مع تصاعد وتيرة الضربات الإسرائيلية ووصولها إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود؛ ما وضع البلاد في قلب المواجهة.
كلفة متراكمة
بحسب ما أورده منتدى الخليج الدولي، تكشف هذه التطورات عن خلل بنيوي في نموذج «الوكلاء»، حيث يتحول البلد المضيف إلى ساحة صراع بالوكالة، ويتحمل كلفة مباشرة لتوازنات إقليمية لا يتحكم فيها. ورغم استمرار الحزب الإرهابي في القتال، فإن الخسائر التي تكبدها، سواء على مستوى القدرات العسكرية أو الكوادر، ترافقت مع تراجع ملحوظ في شرعيته السياسية والدفاعية داخل لبنان. كما أن استمرار اعتماده على أدوات الضغط الداخلي أسهم في كبح أي تحرك شعبي واسع ضده، رغم تنامي الانتقادات لدوره في إدخال البلاد في الحرب. في المقابل، يواجه الجيش اللبناني قيودًا هيكلية تحد من قدرته على موازنة نفوذ الحزب، سواء بسبب الفجوة العسكرية أو التعقيدات المرتبطة بالتركيبة الداخلية؛ ما يعزز حالة الجمود في موازين القوة داخل البلاد.
إعادة توزيع النفوذ
في موازاة التصعيد الميداني، يبرز المسار التفاوضي كعامل محوري في إعادة تشكيل المشهد، فقد أبدت الحكومة اللبنانية استعدادها للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، في خطوة تعكس محاولة لاستعادة القرار السيادي وإعادة ضبط العلاقة مع الفاعلين الإقليميين. وأضاف المنتدى أن إسرائيل أبدت في الآونة الأخيرة مرونة أكبر تجاه هذا المسار، شريطة أن يقود إلى اتفاق سلام شامل يتضمن نزع سلاح ميليشيا حزب الله، وهو ما يضع الحزب أمام تحدٍ إستراتيجي غير مسبوق، بين الحفاظ على دوره العسكري أو التكيف مع واقع سياسي جديد. وفي هذا السياق، سعت إيران إلى إدراج الملف اللبناني ضمن أي مفاوضات أوسع، في محاولة للحفاظ على نفوذها، إلا أن بيروت رفضت هذا الطرح، مؤكدة أن تمثيل لبنان يجب أن يظل حصرًا بيد مؤسساته الرسمية. هذا التباين يضع طهران أمام معادلة معقدة، إذ إن القبول بتهدئة لا تشمل لبنان قد يُفسَّر كتنازل إستراتيجي، بينما رفضها قد يدفع نحو تصعيد أوسع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في وقت تتراجع فيه أدواتها التقليدية.
تصدير الثورة
وأشار منتدى الخليج الدولي إلى أن تداعيات هذه التحولات تتجاوز الساحة اللبنانية، إذ تمس جوهر الإستراتيجية الإيرانية القائمة على «تصدير الثورة» الفاسدة عبر الوكلاء. فقد استثمرت طهران موارد مالية ضخمة في دعم ميليشيا حزب الله؛ ما يجعل أي تراجع في دوره بمثابة ضربة لهذا النموذج. كما أن إضعاف الحزب قد ينعكس على بقية الشبكات المرتبطة بإيران في المنطقة، التي قد تبدأ بإعادة تقييم علاقاتها بطهران في ضوء التحديات الحالية، خاصة مع تزايد الشكوك حول قدرة إيران على الاستمرار في تقديم الدعم بالزخم ذاته. وعلى المستوى الداخلي، قد يفتح هذا المسار الباب أمام تساؤلات متزايدة داخل إيران حول كلفة السياسات الإقليمية، في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد.
إعادة رسم
التوازنات الإقليمية
يخلص منتدى الخليج الدولي إلى أن لبنان لم يعد مجرد ساحة صراع، بل تحول إلى نقطة اختبار حاسمة لمستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، في ظل تراجع دور ميليشيا حزب الله وتصاعد المسارات الدبلوماسية. وتشير هذه المعطيات إلى أن المنطقة قد تكون بصدد مرحلة إعادة تشكيل أوسع، إذ لم يعد نموذج «الوكلاء» قادرًا على إنتاج النتائج ذاتها التي حققها في السابق، في وقت تتجه فيه التوازنات نحو أنماط أكثر تعقيدًا، تجمع بين الضغوط العسكرية والمسارات التفاوضية، في محاولة لإعادة صياغة النظام الإقليمي على أسس جديدة.