آراء الكتاب

آراء الكتاب

مساحة نستعرض فيها الأفكار والإبداع بهدف إثراء الحياة الثقافية يعبر القارىء فيها عن رأيه ولا يمثل وجهة نظر الصحيفة نتلقى مشاركتكم عبر الايميل 
abdalmaqsud@hotmail.com

بين الحلم والرؤيا 
يظل الحلم تجربة إنسانية تحمل شيئًا من أسرار النفس، وتظل الرؤيا بابًا من أبواب التأمل في قدرة الله وحكمته، دون أن نخلط بينهما أو نجعل كل ما نراه نبوءة بالمستقبل. وبين هذا وذاك، تمضي الحياة، ويبقى الأمل هو الحلم الجميل الذي يستحق أن نسعى إلى تحقيقه في واقعنا، لا أن نكتفي برؤيته في منامنا، بل تظل الأحلام واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية غموضًا وإثارة للتأمل، فهي عالم واسع تتداخل فيه المشاعر بالذكريات، والواقع بالخيال، والأمنيات بالمخاوف، حتى يجد الإنسان نفسه في رحلة ليلية تأخذه إلى أماكن لم يزرها، وتجمعه بأشخاص ربما غابوا عن حياته منذ سنوات طويلة، وبين الحلم والرؤيا مساحة من التساؤلات التي شغلت الإنسان منذ القدم، ودفعته إلى البحث عن المعنى فيما يراه أثناء نومه، وعن الرسائل التي قد تحملها له تلك المشاهد الغامضة. 
الحلم هو نافذة يطل منها العقل على أعماق النفس، حيث تتجسد الرغبات المكبوتة، وتظهر المخاوف التي نحاول إخفاءها، وتعود الذكريات لتطرق أبواب الوعي من جديد، فكثيرًا ما يرى الإنسان في منامه ما يشغل تفكيره في اليقظة، أو يعيش مواقف يتمنى حدوثها، أو يواجه مخاوف يحاول الهروب منها، وقد تكون الأحلام انعكاسًا لضغوط الحياة اليومية، وما يختزنه العقل من مشاعر وتجارب وانفعالات. 
أما الرؤيا، فلها مكانة خاصة في الوجدان الديني والثقافي، ولا سيما في التراث الإسلامي، حيث ترتبط الرؤيا الصالحة بالبشارة والطمأنينة، وقد تحمل للإنسان معنى يبعث في نفسه الأمل والسكينة، وقد ورد في القرآن الكريم عدد من الرؤى التي كان لها دور مهم في أحداث وقصص عظيمة، مثل رؤيا يوسف عليه السلام، التي كشفت عن جانب من مستقبله، ورؤيا ملك مصر التي كانت سببًا في إنقاذ الناس من سنوات القحط والمجاعة. 
 فإن التمييز بين الحلم والرؤيا ليس أمرًا يمكن حسمه بمجرد الشعور بأن ما رآه الإنسان كان واضحًا أو مؤثرًا، فقد يرى المرء حلمًا شديد الوضوح، ثم يستيقظ وهو يحمل تفاصيله في ذاكرته، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه رؤيا ذات دلالة خاصة، كما أن الأحلام المزعجة قد تكون نتيجة للتوتر أو الإرهاق أو الانشغال بأمور الحياة، وليس من الصواب أن تتحول إلى مصدر دائم للخوف والقلق. 
وبين الحلم والرؤيا يقف الإنسان حائرًا بين ما يتمناه وما يعتقد أنه قد كُشف له من المجهول، فالحلم قد يمنحه فرصة للهروب من واقع مؤلم، أو مساحة ليعيش فيها أمنية طال انتظارها، بينما قد تمنحه الرؤيا شعورًا بالطمأنينة أو تدفعه إلى مراجعة نفسه والتأمل في حياته، لكن الحكمة تقتضي ألا يجعل الإنسان قراراته المصيرية رهينة لمنام، وألا يبني أحكامه على الآخرين اعتمادًا على ما يراه في نومه، فالحياة تحتاج إلى العقل والتفكير والمشورة، إلى جانب الإيمان وحسن التوكل على الله. 
ولعل أجمل ما في هذا العالم الغامض أنه يكشف لنا عن حاجة الإنسان الدائمة إلى الأمل، وإلى البحث عن معنى يتجاوز حدود اللحظة الراهنة. فنحن نحلم لأن في داخلنا أمنيات لم تتحقق، ونبحث عن الرؤيا لأننا نتطلع إلى ما يمنح أرواحنا السكينة ويطمئن قلوبنا تجاه المستقبل. 
إن الفرق الحقيقي لا يكمن فقط في طبيعة ما نراه أثناء النوم، بل في الطريقة التي نستقبل بها ما رأيناه بعد الاستيقاظ. فإذا كان الحلم يمنحنا الأمل، فلنجعله دافعًا للعمل والسعي، وإذا كانت الرؤيا تبعث فينا الطمأنينة، فلنحمد الله دون مبالغة أو ادعاء معرفة الغيب، فالغيب علم عند الله وحده، والإنسان مأمور بأن يسعى في حياته مستعينًا بإيمانه وعقله وخبرته. 
راجح محمد

التلميذ مفرط الحرية 
 إن التلميذ مفرط الحرية ليس مشكلة تخص المدرسة وحدها، بل قضية تربوية تتشابك فيها مسؤوليات الأسرة والمعلم والإدارة التعليمية والمجتمع، وإذا أردنا مدارس أكثر انضباطًا وبيئات تعليمية أكثر احترامًا، فعلينا أن نعلم أبناءنا منذ الصغر أن الحرية لا تعني غياب الحدود، وأن الشخصية القوية ليست التي تفرض إرادتها على الآخرين، بل التي تعرف كيف تدافع عن حقوقها دون أن تعتدي على حقوق غيرها، حيث أن المدرسة المؤسسة التربوية الثانية بعد الأسرة في تشكيل شخصية الطفل وبناء وعيه، فهي ليست مكانًا لتلقي العلوم والمعارف فحسب، بل بيئة يتعلم فيها التلميذ احترام الآخرين، والالتزام بالقواعد، وتحمل المسؤولية، غير أن بعض المدارس تواجه ظاهرة تستحق التوقف أمامها، وهي ظاهرة التلميذ مفرط الحرية، الذي يخلط بين حقه في التعبير عن رأيه والتصرف بحرية، وبين تجاوز الحدود التي تضمن احترام المعلم والزملاء وانتظام العملية التعليمية. 
 والحرية حق أصيل لكل إنسان، وهي من المبادئ التي ينبغي أن يتعلمها الطفل منذ سنواته الأولى، لكن الحرية الحقيقية لا تعني أن يفعل الإنسان كل ما يريد دون مراعاة للآخرين، بل تعني أن يمارس حقوقه في إطار من المسؤولية والاحترام، ومن هنا تبدأ المشكلة عندما ينشأ التلميذ معتقدًا أن من حقه مقاطعة المعلم، ورفض التعليمات، وإثارة الفوضى داخل الفصل، أو التعامل مع زملائه بأسلوب غير لائق، دون أن يدرك أن حريته تنتهي عند حدود حقوق الآخرين. 
تبدأ جذور هذه الظاهرة في كثير من الأحيان داخل الأسرة، عندما يبالغ الآباء في تدليل أبنائهم، أو يستجيبون لجميع مطالبهم دون وضع ضوابط واضحة، أو يتعاملون مع الأخطاء باعتبارها تصرفات عابرة لا تستحق التوجيه، وقد يزداد الأمر تعقيدًا عندما يتدخل بعض أولياء الأمور للدفاع عن أبنائهم في كل موقف، حتى عندما يكون الخطأ واضحًا، الأمر الذي يضعف شعور الطفل بالمسؤولية ويجعله يعتقد أنه فوق المحاسبة. 
فإن التربية السليمة لا تقوم على القسوة أو تقييد الطفل بصورة مبالغ فيها، وإنما على تحقيق التوازن بين الحنان والحزم، وبين منح الطفل مساحة للتعبير عن نفسه وتعليمه احترام القواعد. فالطفل الذي يتعلم داخل المنزل أن لكل حق واجبًا، ولكل تصرف نتيجة، يكون أكثر استعدادًا للتكيف مع الحياة المدرسية والمجتمعية. 
كما أن المعلم بين أداء رسالته ومواجهة التجاوزات، يجد المعلم نفسه أحيانًا أمام تحديات تتجاوز مهمته التعليمية، عندما يضطر إلى استهلاك جزء كبير من وقت الحصة في ضبط الفصل والتعامل مع سلوكيات تعوق الشرح وتؤثر في تركيز بقية التلاميذ. فالتلميذ الذي يصر على مخالفة التعليمات أو يتعمد استفزاز معلمه لا يؤثر في تحصيله الدراسي وحده، بل قد يحرم زملاءه من حقهم في التعلم داخل بيئة هادئة ومنظمة. 
ولا يعني ذلك أن يتحول المعلم إلى مصدر للخوف أو أن يستخدم العقاب المهين وسيلة للسيطرة، بل ينبغي أن يمتلك أدوات تربوية تساعده على إدارة الفصل بحكمة، من خلال وضع قواعد واضحة، وتطبيقها بعدالة، وتعزيز السلوك الإيجابي، والتعامل مع المخالفات بما يتناسب مع طبيعتها. كما أن احترام المعلم لا يتعارض مع حق التلميذ في السؤال أو الاعتراض المهذب، وإنما يرسخ العلاقة التربوية القائمة على التفاهم المتبادل. 
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الانضباط المدرسي يتعارض مع حرية التلميذ، بينما الحقيقة أن النظام العادل هو الذي يحمي حرية الجميع. فحين يلتزم التلميذ بدوره في الحديث، ويحترم وقت الحصة، ويحافظ على ممتلكات المدرسة، فإنه لا يتنازل عن حريته، بل يمارسها بصورة حضارية، كما أن منح التلميذ فرصة للمشاركة في الأنشطة المدرسية، وإبداء الرأي، والمناقشة، والعمل الجماعي، يساعده على فهم معنى الحرية المسؤولة. فالمدرسة الناجحة ليست التي تفرض الصمت المطلق على طلابها، ولا التي تتركهم يتصرفون دون ضوابط، بل التي توازن بين الحوار والانضباط، وبين الحقوق والواجبات. 
تتطلب معالجة سلوك التلميذ مفرط الحرية تعاونًا حقيقيًا بين الأسرة والمدرسة، يبدأ بالتواصل المستمر، وتبادل المعلومات حول سلوك الطفل، والاتفاق على أساليب موحدة للتوجيه. ومن الضروري أن يدرك التلميذ أن احترام القواعد ليس إجراءً خاصًا بالمدرسة وحدها، بل قيمة ينبغي أن تصاحبه في المنزل والشارع ومختلف مؤسسات المجتمع، وكذلك يجب على الإدارات المدرسية أن توفر للمعلمين الدعم اللازم، وأن تتعامل مع المشكلات السلوكية بصورة تربوية متدرجة، مع الاستعانة بالاختصاصيين الاجتماعيين والنفسيين عند الحاجة، والبحث عن الأسباب التي قد تقف وراء السلوك، بدلًا من الاكتفاء بوصف التلميذ بأنه مشاغب أو غير منضبط. 
ومن المهم أيضًا عدم الخلط بين التلميذ الذي يتمتع بشخصية مستقلة ويطرح الأسئلة ويناقش الأفكار، وبين التلميذ الذي يتعمد الإيذاء أو تعطيل الدراسة. فالأول يحتاج إلى التشجيع والتوجيه، أما الثاني فيحتاج إلى خطة تربوية واضحة تساعده على تعديل سلوكه وتحمل مسؤولية تصرفاته. 
الشيماء محمد : أخصائية صحافة وإعلام تربوي 

الأطفال في السينما العربية والأجنبية 
يمثل الأطفال جزءاً مهماً من تطور السينما العربية والأجنبية، لما يمتلكونه من موهبة وقدرة على التأثير في الجمهور. ولذلك، يجب دعم مواهبهم وحمايتهم، مع ضمان استمرار تعليمهم وتمتعهم بطفولتهم بعيداً عن الضغوط الفنية، الأطفال من العناصر المهمة في صناعة السينما العربية والأجنبية، فقد استطاعوا بفضل مواهبهم الفطرية وأدائهم العفوي أن يتركوا بصمة واضحة في تاريخ الفن السابع، ونجح العديد من الممثلين الأطفال في تقديم أدوار مؤثرة عبرت عن مشاعر الإنسان وقضاياه الاجتماعية والإنسانية، وأثبتوا أن الموهبة والإبداع لا يرتبطان بالعمر. 
أولا الأطفال في السينما العربية، احتل الأطفال مكانة مميزة في السينما العربية، وشاركوا في العديد من الأفلام التي تناولت قضايا الأسرة والفقر والتعليم والطفولة، واعتمد المخرجون على براءتهم وتلقائيتهم لإضفاء طابع واقعي ومؤثر على الأحداث، ومن أبرز الأمثلة الفنانة فيروز، التي اشتهرت بموهبتها الفنية منذ طفولتها، والطفل أحمد فرحات الذي شارك في عدد من الأفلام المصرية القديمة وترك أثراً في ذاكرة الجمهور، ولم يقتصر دور الأطفال في السينما العربية على الكوميديا والترفيه، بل امتد إلى الأعمال الدرامية التي تناقش المشكلات الاجتماعية، وتسلط الضوء على حقوق الأطفال وأحلامهم ومعاناتهم، وأسهمت هذه الأعمال في تعزيز الوعي بأهمية حماية الطفولة وتوفير بيئة مناسبة لنمو الأطفال. 
ثانياً: الأطفال في السينما الأجنبية، حظي الأطفال باهتمام كبير في السينما الأجنبية، خاصة في أفلام المغامرات والخيال والدراما العائلية، وقد نجحت السينما العالمية في تقديم شخصيات طفولية أصبحت مشهورة لدى الجمهور في مختلف أنحاء العالم، ومن أشهر الأمثلة فيلم Home Alone، الذي حقق نجاحاً واسعاً من خلال شخصية الطفل كيفن، الذي يواجه مواقف طريفة ومغامرات غير متوقعة، كما برز الممثل دانيال رادكليف في سلسلة أفلام Harry Potter، التي تناولت موضوعات الصداقة والشجاعة وتحمل المسؤولية، وقد اهتمت السينما الأجنبية أيضاً بتقديم قصص إنسانية تعكس مشاعر الأطفال وتحدياتهم، مما ساعد على إبراز قدراتهم التمثيلية وإيصال رسائل مؤثرة إلى المشاهدين. 
ثالثاً: أوجه التشابه والاختلاف، تتشابه السينما العربية والأجنبية في اعتمادها على الأطفال لإيصال رسائل إنسانية واجتماعية. ومع ذلك، ركزت بعض الأعمال العربية على المشكلات الأسرية والاجتماعية، بينما اهتمت أعمال أجنبية عديدة بالمغامرات والخيال والمؤثرات البصرية. 
معاذ الطيب : مخرج سينمائي 

لابد من وقفة 
 في رحلتك نحو التغيير سوف ترهقك بعض الأمور وخاصة متطلبات الحياة اليومية واحتياجاتك الشخصية أو الأسرية مما يؤثر على طموحاتك العظيمة التي كانت في البدايات والتي سوف يختلف تقديرك لها بمرور الوقت، هنا لابد من وقفة لمعرفة لماذا تغير محور اهتمامك وتركيزك عن ذي قبل؟ لذلك لابد أن تدرك أن حياتك ما هي إلا فترات زمنية مختلفة لن يبقى كل شيء فيها على حاله، فمسألة تغيير الوقت سوف يكون له نصيباً ودوراً فعالاً في تغيير رؤاك وأولوياتك وكذلك قائمة الأشياء التي كنت تود تحقيقها. 
استمر على أي حال فما تمر به هو ما جعل منك ما أنت عليه الأن وهو جزء من شخصيتك والأشياء التي غيرت في صياغة وجهة نظرك أنت وهو ما جعلك توازن بين ماضيك وما تحقق وما لم يتحقق من أهداف لذلك حاول أن تكون متفهماً ونم بداخلك منظورك للحياة وتفهمك لها وتحدياتها. 
عصام كرم الطوخي

بعد فقد الأب 
 قد يرحل الأب بجسده لكن أثره لا يرحل، وقد يغيب صوته، لكن كلماته تظل حاضرة في المواقف والقرارات، وقد يغيب وجهه عن أعيننا، لكن ملامحه تبقى محفورة في الذاكرة والوجدان، فالأب الحقيقي لا يموت في قلوب أبنائه لأنه يسكن في أخلاقهم، ويظهر في تصرفاتهم، ويعيش في كل موقف يتذكرون فيه نصيحته أو يستلهمون فيه حكمته.ليس هناك وجع يشبه وجع فقد الأب، وليس هناك غياب يترك في الروح فراغًا كفراغه، فالأب ليس مجرد فرد في الأسرة، بل هو السند الذي نتكئ عليه حين تثقل الحياة، والظل الذي نحتمي به من قسوة الأيام، والأمان الذي نشعر بوجوده حتى وإن لم نتحدث إليه كل يوم. 
عندما يرحل الأب تتغير أشياء كثيرة في حياة أبنائه، تتغير تفاصيل البيت، وتختلف نبرة الأيام، ويصبح لكل مناسبة طعم آخر، ولكل فرحة شيء من الحزن، ولكل نجاح غصة لأن الشخص الذي كان ينتظر هذا النجاح بفخر لم يعد حاضرًا ليبارك ويبتسم ويقول كلمته التي كانت تمنح كل شيء معنى مختلفًا. 
إن فقد الأب ليس مجرد لحظة وداع، بل هو بداية مرحلة جديدة يتعلم فيها الأبناء كيف يواجهون الحياة من دون ذلك القلب الذي كان يمنحهم الطمأنينة، يشعر الأبن، مهما بلغ من العمر بأنه أصبح أكثر احتياجًا إلى كلمة أبيه، وإلى نصيحته التي ربما لم يكن يدرك قيمتها كاملة في حياته، وإلى نظرته التي كانت تختصر كثيرًا من الكلام، فبعد رحيل الأب تصبح الذكريات ملاذًا لا ينضب، صورة قديمة أو صوت مسجل، أو مقعد اعتاد الجلوس عليه، أو موقف عابر يعيد إلى القلب سنوات كاملة من الحنان والتضحيات وقد تمر أيام يظن فيها الإنسان أنه تجاوز حزنه، ثم تأتي لحظة بسيطة لتوقظ داخله شوقًا عميقًا، فيدرك أن الفقد لا ينتهي، وإنما نتعلم كيف نتعايش معه. 
ومن أصعب ما يواجه الأبناء بعد وفاة أبيهم الشعور بالمسؤولية، فالأب الذي كان يحمل عنهم أعباء الحياة يصبح غيابه امتحانًا لقدرتهم على التماسك، والمحافظة على ترابط الأسرة، والوقوف إلى جانب الأم والإخوة، وهنا تظهر حقيقة التربية التي تركها الأب في نفوس أبنائه، فالأب الصالح لا يترك وراءه المال أو الممتلكات فقط، بل يترك قيمًا ومبادئ وذكريات ومواقف تتحول إلى منارة تهدي أبناءه في طريقهم. 
ومهما اشتد الحزن، فإن الوفاء للأب لا يكون بالبكاء على فراقه وحده، بل يكون بالدعاء له، والصدقة عنه، وصلة رحمه، والإحسان إلى من كان يحبهم، والمحافظة على اسمه وسيرته الطيبة. كما أن النجاح في الحياة، والتمسك بالأخلاق التي غرسها، والحرص على جمع الأسرة وعدم تفرقها، كلها صور صادقة من صور البر الذي يستمر حتى بعد الرحيل. 
إن غياب الأب يعلّمنا أن بعض النعم لا ندرك قيمتها كاملة إلا حين نفقدها، وأن الكلمات التي تأخرنا في قولها قد تتحول إلى أمنيات لا تتحقق. لذلك علينا أن نمنح آباءنا الحب والاهتمام والتقدير وهم بيننا، وأن نحتفظ معهم بذكريات جميلة تكون عزاءً لنا عندما يحين موعد الفراق. 
علاء رياض

شكرًا ورقة عباد الشمس 
 وكأن لكل إنسان في حياته ورقة عباد شمس، موقفًا واحدًا يكفي أحيانًا ليكشف طبيعة الوسط الذي يعيش فيه، وحقيقة من يحيطون به، فكما تكشف ورقة عباد الشمس ما لا تراه العين في الظاهر، تكشف المواقف ما تخفيه الكلمات والابتسامات وطول العِشرة، ثمة مواقف لا تأتي لتغيّر حياتنا، بل لتكشفها لنا. 
تأتي في لحظة لم نحسب لها حسابًا، فترفع الغطاء عمّا كان مستترًا، وتعيد ترتيب الوجوه في أعيننا، حتى نرى الأشخاص والأماكن والعلاقات كما هي، لا كما أحببنا أن نراها، فالعلاقات لا تُقاس بعدد السنوات، وإنما بما يحدث حين تتغيّر الظروف، قد تمتد العِشرة طويلًا، ونظن أن الزمن وحده كافٍ ليمنحها صدقها، ثم يأتي موقف واحد فيختصر سنوات كاملة، ويخبرنا في لحظة ما عجز الوقت عن إخبارنا به، والخلاف هو إحدى أوراق عباد الشمس؛ ففيه يظهر خُلُق الإنسان حين يغضب، وهل يبقى للودّ حرمة عندما تختلف القلوب. 
والمال ورقة أخرى، يكشف الأمانة حين يكون الأخذ ممكنًا، ويظهر الطمع حين تصبح المصلحة أقوى من المودة، أما المصلحة، فتكشف الفرق بين من أحبّ وجودنا، ومن أحبّ ما كان يجنيه من وجودنا، وقد تكون السلطة ورقة أشد وضوحًا، لأنها تكشف ما يفعله الإنسان عندما تصبح القدرة في يده، وحتى النجاح قد يكون اختبارًا صامتًا، نعرف عنده من يفرح لنا حقًا، ومن كان يطمئن إلينا ما دمنا لا نتقدمه، وتبقى الشدة من أصدق أوراق عباد الشمس؛ فهي الغربال الذي تتساقط منه العلاقات الهشة، ويبقى فيه من عرف للعِشرة معناها حين أصبح الوفاء مكلفًا، لهذا قد لا تخبرنا سنوات كاملة عن إنسان ما يخبرنا به موقف واحد. فقد يرفع موقف شخصًا في أعيننا لم نكن ندرك قدره، وقد يُسقط آخر من مكانة صنعتها له سنوات من المحبة وحسن الظن. 
المواقف لا تكشف السيئين فقط؛ إنها تكشف النبل أيضًا، تكشف من يحفظ العِشرة عند الخلاف، ومن يصون السر بعد الفراق، ومن يبقى وفيًّا حين تنتهي المصلحة، ومن يختار الرحمة وهو قادر على الأذى، فالعِشرة الحقيقية لا يحفظها طول الزمن، بل الوفاء عند الشدة، والعدل عند الخلاف، والنبل حين تتعارض المصالح، وأحيانًا لا يكشف الموقف حقيقة الأشخاص وحدهم، بل يكشف حقيقة المكان الذي نقف فيه؛ بيئةً ظننا أننا ننتمي إليها، أو علاقةً اعتقدنا أنها آمنة، أو طريقًا أطلنا البقاء فيه. وفجأة نفهم أن بعض الأماكن لم تعد تشبهنا، وأن المغادرة ليست دائمًا خسارة، بل قد تكون استجابة لحقيقة تأخرنا في رؤيتها، وربما لهذا تكون بعض المواقف رغم قسوتها، رحمة خفية، فمن نعم الله أن يكشف لنا ما لم نكن قادرين على رؤيته، وأن يعيد إلينا بصيرتنا حين تعمينا المحبة أو العِشرة أو حسن الظن. وقد نحزن لأن وجهًا تغيّر أمامنا، بينما الحقيقة أنه لم يتغيّر؛ نحن فقط رأيناه أخيرًا كما هو. 
شكرًا لورقة عباد الشمس التي مرّت في حياتنا يومًا، فلم تغيّر لون الأشياء بل كشفت ألوانها الحقيقية، شكرًا للموقف الذي أزاح ستارًا، وللشدة التي غربلت الوجوه، وللخلاف الذي أخبرنا ما عجزت سنوات العِشرة عن قوله، فبعض الحقائق لا تأتي لتكسر قلوبنا، بل لتنقذها من البقاء طويلًا في المكان الخطأ، وبين الأشخاص الخطأ، وحين يضع الله في طريقك موقفًا يكشف لك ما خفي عنك، قد تؤلمك الحقيقة في بدايتها، لكنك ستدرك يومًا أن ما انكشف أمامك لم يكن خسارة، بل بصيرة، فشكرًا لكل ورقة عباد شمس مرّت بنا، وكشفت لنا لون القلوب، وأعادت كل إنسان إلى مكانه الحقيقي في حياتنا، وأرشدتنا بصمت إلى البيئة التي تشبه أرواحنا وتستحق أن نبقى فيها. 
منال الحبال