رئيس الدولة يستقبل الأمير خالد بن سلمان ويبحث معه التطورات الإقليمية التي تشهدها المنطقة
الهيدروجين الأخضر ليس أخضر بالضرورة
يشهد العالم سباقاً للاستثمار في الهيدروجين الأخضر باعتباره أحد الحلول الواعدة لإزالة الكربون من القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها بالكهربة المباشرة، مثل الحديد والصلب والصناعات الكيميائية وبعض تطبيقات الطيران والشحن البحري. وتمتلك المنطقة العربية مقومات مهمة لهذا التحول بفضل موارد الطاقة الشمسية والرياح والموقع الجغرافي والبنية التحتية للطاقة.
لكن وصف الهيدروجين بأنه «أخضر» ينبغي ألا يكون نهاية التقييم البيئي، بل بدايته.
فالهيدروجين المنتج بالتحليل الكهربائي باستخدام الكهرباء المتجددة يتمتع بانبعاثات تشغيلية مباشرة منخفضة، لكن بصمته الكاملة تتأثر بمصدر الكهرباء والمياه، وتصنيع المعدات، والتحلية، والضغط والتخزين والتحويل والنقل، وصولاً إلى الاستخدام النهائي. ولذلك يصبح تقييم دورة الحياة Life Cycle Assessment – LCA أكثر دقة من الاعتماد على اللون وحده.
قد يستخدم مشروعان التقنية نفسها، لكن البصمة الكربونية للهيدروجين الناتج عنهما تختلف جذرياً بحسب مصدر الكهرباء. فإذا اعتمد التحليل الكهربائي على شبكة كثيفة الوقود الأحفوري، ترتفع الانبعاثات غير المباشرة رغم غياب الانبعاثات عند نقطة الإنتاج.
أما في المنطقة العربية، فيبرز تحدٍ آخر: المياه. فنظرياً يحتاج إنتاج كيلوغرام من الهيدروجين إلى نحو 9 كيلوغرامات من الماء وفق المعادلة الكيميائية، لكن الاستهلاك الفعلي أعلى نتيجة متطلبات النقاء والتبريد والمعالجة والعمليات المساندة.
والمسألة ليست كمية المياه فقط، بل مصدرها وموقع استخدامها. فاستهلاك المياه في منطقة تعاني إجهاداً مائياً يختلف في أثره عن استهلاك الكمية نفسها في منطقة غنية بالمياه. وهنا تمثل تحلية مياه البحر خياراً مهماً للدول العربية الساحلية، شريطة إدخال استهلاك الطاقة وإدارة الرجيع الملحي والتأثيرات البحرية ضمن التقييم البيئي.
إنتاج الهيدروجين منخفض الكربون لا يكفي إذا استُهلكت كميات كبيرة من الطاقة في ضغطه أو تسييله أو تحويله إلى أمونيا ونقله لمسافات طويلة. ولذلك يجب تقييم الهيدروجين الذي يصل فعلياً إلى المستخدم، وليس الذي يغادر بوابة المصنع فقط.
كما أن الهيدروجين ليس الحل الأمثل لكل استخدام. فالكهرباء المتجددة المباشرة تكون أكثر كفاءة في تطبيقات عديدة، بينما تبرز القيمة الاستراتيجية للهيدروجين في القطاعات صعبة الخفض، مثل الصلب والأسمدة والصناعات الكيميائية وبعض تطبيقات الطيران والشحن.
قد لا تكون الميزة العربية المستقبلية في إنتاج أكبر كمية من الهيدروجين فقط، بل في إنتاج هيدروجين موثّق منخفض البصمة الكربونية والمائية، واستخدامه لبناء صناعات ذات قيمة مضافة مثل الفولاذ الأخضر والأمونيا منخفضة الكربون والوقود الاصطناعي.
لذلك، فإن السؤال الاستراتيجي ليس: كم مليون طن من الهيدروجين الأخضر سننتج؟ بل: ما البصمة الكربونية والمائية لكل كيلوغرام ننتجه، وما القيمة المناخية والاقتصادية التي يحققها عبر دورة حياته؟
فالهيدروجين الأخضر فرصة حقيقية للتحول الطاقي، لكن «الأخضر» صفة يجب إثباتها بالقياس ودورة الحياة، لا بالاسم وحده.