الفوضى المنظمة

الفوضى المنظمة

ليست كل فوضى دليلاً على غياب النظام، وليست كل مظاهر الترتيب دليلاً على وضوح الرؤية، وقد تختبئ خلف الفوضى الظاهرة منظومة دقيقة لا يدرك تفاصيلها إلا صاحبها، وكأن العقل البشري يرفض أحيانًا أن يخضع للقواعد التي يفرضها الآخرون لفهم الأشياء وترتيبها. 
حين نتأمل مكتباً تتراكم فوقه الملفات والأوراق والملاحظات، فتبدو للناظر إليه صورة مكتملة من الفوضى، أوراق هنا وملفات هناك، وأقلام تتناثر بين الكتب، وملاحظات صغيرة تحمل كلمات لا يفهمها أحد، وعندما يندفع شخص ما إلى ترتيب هذا المكتب وفقًا لقواعده الخاصة، فيضع كل شيء في مكانه المثالي، ويصنف الأوراق بحسب موضوعاتها، ويجمع الملفات المتشابهة في أدراج منظمة. 
تبدأ المفارقة عندما يعود صاحب المكتب ليبحث عن ورقة يحتاج إليها، فيقف حائرًا أمام هذا النظام الجديد، وكأنه دخل مكتب شخص آخر، فالورقة التي كان يعرف مكانها بين مجموعة من الأوراق المتناثرة لم تعد موجودة حيث اعتاد أن يجدها، والملف الذي كان يستخرجه من بين مجموعة ملفات أصبح مختبئًا داخل درج أنيق لا يعرف محتوياته، وهنا ندرك أن الترتيب ليس قاعدة مطلقة، وأن ما يبدو فوضويًا للآخرين قد يمثل نظاماً واضحاً لصاحبه، فالعلاقة بين الإنسان والأشياء التي تحيط به لا تقوم دائماً على القواعد التقليدية، بل قد تستند إلى ذاكرة بصرية، أو ارتباطات ذهنية، أو عادات اكتسبها عبر الزمن، حتى يصبح لكل شيء مكانه الخاص في خريطته الداخلية. 
وقد نجد إنساناً كثير الأفكار، سريع الانتقال بين الموضوعات، لا يسير في حديثه وفق تسلسل منطقي يتوقعه الآخرون، ويناقش قضية ثم ينتقل إلى أخرى، قبل أن يعود إلى الأولى من زاوية مختلفة ويبدو لمن يراقبه أن أفكاره متداخلة، وأنه لا يعرف إلى أين يتجه، وأن الضجيج الذي يصنعه عقله قد طغى على قدرته على التفكير، لكن هذا الحكم قد يكون متسرعاً لأننا لا نستطيع أن نحكم على خريطة عقل إنسان من خلال الطريقة التي يعرض بها أفكاره، لأن هناك روابط لا نراها، وتفاصيل لم يحن وقت الكشف عنها، ونتائج يسعى إلى الوصول إليها عبر طرق لا تشبه الطرق المألوفة. 
خاصة وإن بعض العقول لا تفكر في خطوط مستقيمة، بل تتحرك في دوائر متداخلة، وتجمع بين أفكار تبدو متباعدة، وتستخرج من التفاصيل الصغيرة معاني قد لا ينتبه إليها عوام الناس، وما يبدو قفزاً عشوائياً من فكرة إلى أخرى قد يكون في بعض الحالات محاولة للوصول إلى صورة متكاملة من خلال زوايا متعددة، فيبدو أن المكتب فوضوياً في عيون الزائر بينما يعرف صاحبه موضع كل ورقة فيه، ويظهر العقل صاخباً في نظر الآخرين، بينما يواصل صاحبه بناء أفكاره وربط تفاصيلها ورسم خطته للمستقبل.