دراسة نقدية

تحويل النصوص الأدبية إلى أعمال فنية بين الرفض والقبول

2 يونيو 2020 المصدر : •• الفجر : أسامة عبد المقصود تعليق 157 مشاهدة طباعة

رفض العديد من الروائيين والمسرحيين تحويل نصوصهم الأدبية لأعمال تجسد في الدراما أو على خشبة المسرح، وفي اعتقادي أن هذا الرفض كان مصدره الخوف من وضع النص في قالب واحد للتفسير وتحجيم رؤيته المتعددة، فضلا عن قلق المبدع من خروج الفكرة عن المضمون الذي كتب من اجله النص، ومن هؤلاء الكتاب ماركيز الذي رفض بشدة في البداية ان تجسد روايته الحب في زمن الكوليرا في فيلم سينمائي ، ويليه ارنست هيمنجواي لروايته العجوز والبحر، لكن في المقابل سعى شكسبير لتجسيد كل مسرحياته على خشبة المسرح، حتى أنه استعان برجال يؤدون الأدوار النسائية ليتمكن من عرض افكاره ونشر مؤلفاته

وسار على نهج شكسبير الكثير من الروائيين والمسرحيين العرب، إن لم يكن كلهم، وفي تصوري أن هذه الموافقة بنيت على سببين، الأول هو تحويل النص إلى روح يفهما قطاع كبير من الشعوب العربية في ظل وجود الأمية، وصعوبة انتشار الكتب في مجتمع لا يقرأ، والسبب الثاني، مشاركة الأديب في كتابة السيناريو والحوار والاشراف على تنفيذ العمل، مثل نجيب محفوظ ويوسف ادريس واحسان عبد القدوس وسعد الدين وهبة ويوسف السباعي ويحيي حقي طه حسين وتوفيق الحكيم وغيرهم ممن شاركوا في اثراء السينما والمسرح العربي وشكلوا بأقلامهم وجدان الشعوب، فلكل منهم اسلوبه في المعالجة الأدبية وحرصه على توصيل الفكرة إلى الجمهور في أبسط صورها، كما جاءت شخصية سي السيد في الثلاثية وسعيد مهران في اللص والكلاب، ومحفوظ عبد الدايم في القاهرة ٣٠ ، وشخصية وكيل النيابة في نائب في الأرياف والمرأة المقهورة في رواية الحرام والنداهة وقنديل أم هاشم، ومسرحية سكة السلامة وأهل الكهف والاسكافي، كل هذه النصوص الأدبية كانت مرآة المجتمع، والراصد الحقيقي للتركيبة السكانية لفترة من عمر الزمن

وعلى مستوى الدراما الخليجية نجد أن المسرح هو صاحب الريادة، وعلى رأس هذه القائمة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، الذي اثرى المكتبة العربية بسلسلة من المسرحيات والروايات التى في اعتقادي ساهمت في وضع المسرح الخليجي على الطريق السليم، وحافظت على معالجة قضايا المجتمع بأسلوب الاسقاط، واستدعاء أحداث تاريخية لتطبيقها على أرض الواقع، كما جاء في مسرحية كتاب الله الصراع بين النور والظلام وهولاكو وغيرها من النصوص، وربما جاءت موافقة الدكتور سلطان القاسمي على تحويل هذه النصوص الأدبية إلى تجسيدها على خشبة المسرح لسببين، أولهما تأريخ الفترة والمساهمة في الحركة الثقافية العربية، والثاني لوجوده واشرافه على النص، فضلا على أن العمل  يعرض وكأنه نص يقرأ، محتفظ بلغة العمل الأدبي، وكأن القارئ تحول لمشاهد، ثم أن الدكتور سلطان القاسمي ساهم في نقل ونشر ثقافة المسرح الصحراوي، والاستفادة من البيئة في عرض النصوص الأدبية ليست على خشبة المسرح ولكن هده المرة في بيئة النص

فالمسرح الصحراوي يستوعب الاسهاب في الكتابة، ويحقق كل جوانب المشهد من اضاءة وديكور، واستيعاب الخيول والأبل وتباعد الخيام، كما أن لهذا المسرح خصوصية لم تتوفر في المسارح التقليدية، حيث شعور المشاهد بأنه جزء من الحدث، تمنحه احساس بالمشارك، فضلا عن المؤثرات الصوتية من جري الخيول وغبار الصحراء، ووجود الشجر الحي ورائحة الطبيعة تعطي المشاهد انطباع بالمعايشة، ولم يقتصر فكرة المسرح الصحراوي على البيئة الخليجية، بل امتدت العدوى الايجابية إلى جميع الدول العربية من الخليج إلى المحيط، وصار لهذا المسرح كتابه ورواده  

ستظل الأعمال الأدبية التى تم تحويلها لأفلام سينمائية أو دراما ومسرح، هى صاحبة الريادة الفكرية والتنوير الحقيقي، وهذا واضح جدا في أسلوب الحوار الراقي وعمق الفكرة والمضمون والهدف السامي، فالأديب حين يكتب كالفنان التشكيلي حين يرسم لوحة، يتركها للقارء أو المشاهد ليفسرها كما يشاء، فدائما المعنى سيظل في بطن الشاعر والقارئ له تصوره الخاص به، والملاز الوحيد حاليا لرقي الفن واعادته لمكانته هو الاستعانة بالنصوص الأدبية

الروايات والمسرحيات المكتوبة لها رونقها ومكانتها، مهما تحولت إلى أعمال درامية، لان النص الأدبي تتحرك أبطاله داخل المجلد، واللغة وجمالها تشد القارئ بجمال السرد ونمط الحبكة وتميز الوصف، كل هذه الأدوات تنمي عند القارئ حاسة التخيل والتفكير المستمر وتهذيب المجتمع بمرادفات لغوية مميزة يستخدمها العامة فيما بينهم، فضلا عن اكتشاف المواهب في جميع مجالات الفن

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اضف تعليق

 تعالوا نقرأ فى كتاب الكون
  24 يونيو 2017        62 تعليق      16694 مشاهده
الإمارات تدعم مطار عدن بأجهزة ومولدات كهربائية
  8 أغسطس 2019        18 تعليق      7080 مشاهده
نور العقل ونور القلب يتجاذبان
  27 مايو 2017        8 تعليق      17838 مشاهده
 المفكر الإسلامي زين السماك يرحل عن عالمنا
  12 أبريل 2020        6 تعليق      485 مشاهده
محمد بن راشد يستعرض مع أمير قطر العلاقات الأخوية بين البلدين
 30 أكتوبر 2013        تعليق      75959 مشاهده
كيف تعرفين إذا كان زوجك يحبك أم لا؟
 19 يناير 2014        تعليق      68678 مشاهده
شركات تبيع الوهم باسم الـ تايم شير
 25 ديسمبر 2012        تعليق      44131 مشاهده
دخول تركيا إلى سوريا عقد الأزمة.. أمريكا تتورط أكثر
 31 أغسطس 2016        تعليق      43093 مشاهده