«عبيد حميد المزروعي.. حين تبقى المآثر»

«عبيد حميد المزروعي.. حين تبقى المآثر»

رحل عبيد حميد المزروعي، لكن بعض الرجال حين يرحلون لا تغيب أسماؤهم، لأنهم يتركون خلفهم أثراً يتجاوز حدود العمر، ويمتد في المؤسسات التي أسسوها، وفي الأجيال التي منحوا لها الفرصة، وفي الكلمات التي آمنوا بقيمتها.
كان الراحل واحداً من رواد الصحافة والإعلام في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومن الرجال الذين أدركوا مبكراً أهمية الكلمة ودورها في بناء المجتمع. وفي عام 1975 أسس جريدة «الفجر» في أبوظبي، في مرحلة كانت فيها دولة الإمارات لا تزال في السنوات الأولى من مسيرة الاتحاد والبناء. لم يكن تأسيس صحيفة في ذلك الوقت مشروعاً سهلاً، بل كان مغامرة ثقافية وإعلامية تحتاج إلى إيمان كبير برسالة الصحافة، خصوصاً مع محدودية الإمكانات وصعوبة الطباعة والتوزيع آنذاك.
ولم تأتِ تجربة عبيد المزروعي في الإعلام من فراغ؛ فقد سبقتها رحلة طويلة ومتنوعة في الحياة والعمل، تنقل خلالها بين قطاع النفط والعمل المصرفي والأعمال، وكان من المساهمين في تأسيس مؤسسات مصرفية، قبل أن ينتصر في داخله شغف الكلمة والصحافة. كما عرف الشعر والأدب والكتابة، وترك مؤلفات من بينها «وقائع الزمان وأعمدة البنيان: مذكرات»، و«عقد الجمان في المدح والبيان». 
وكان يؤمن أن الصحافة ليست مجرد أخبار تُنشر، وإنما مسؤولية تجاه الوطن والمجتمع. وقد تحدث في أكثر من مناسبة عن تأثره برؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لدور الإعلام في كشف مواطن القوة والضعف والمساهمة في التنمية، وهي الرؤية التي كانت من الدوافع التي شجعته على خوض تجربة تأسيس «الفجر».  لكن الجانب الذي يبقى الأقرب إلى نفسي في الحديث عن الراحل هو دعمه للشباب وإيمانه بإعطائهم الفرصة.
وأقول ذلك من تجربة شخصية؛ فقد كنت واحداً من الشباب الذين أتاحت لهم جريدة «الفجر» فرصة الكتابة، عندما فُتح لي باب كتابة عمود في الصحيفة. وقد تبدو المسألة للبعض مجرد مساحة في جريدة، لكنها بالنسبة إلى شاب في بداية تجربته كانت أكبر من ذلك بكثير؛ كانت ثقة، وتشجيعاً، ورسالة تقول إن للأجيال الجديدة مكاناً، وإن الموهبة تحتاج إلى من يمنحها الفرصة كي تظهر وتتطور.
وهذه الروح لم تكن موقفاً عابراً، بل كانت جزءاً من شخصية المؤسسة التي بناها عبيد حميد المزروعي. فقد أصبحت «الفجر» خلال مسيرتها الطويلة مساحة عمل وتعلم مرّ بها العديد من الصحفيين والكتّاب والإعلاميين، حتى وُصفت في احتفالها باليوبيل الذهبي بأنها أشبه بأكاديمية إعلامية تعاقبت عليها أجيال من الكفاءات والخبرات. 
ولعل من أجمل ما يمكن أن يتركه صاحب مؤسسة بعد رحيله أن تستمر المؤسسة في حمل قيمه. فقد عرفت «الفجر» بسياسة تحريرية اتسمت بالنبرة الهادئة والأسلوب المتزن والاعتدال في تناول القضايا، وهي سمات رافقت الصحيفة منذ سنواتها الأولى. 
خمسون عاماً تقريباً من مسيرة «الفجر» ليست مجرد أعداد وصفحات وأخبار، وإنما جزء من ذاكرة الصحافة الإماراتية، بدأت بحلم رجل آمن بالكلمة في وقت مبكر، وأصر على أن يكون للإمارات منبر إعلامي يواكب مسيرة وطن كان هو الآخر في بدايات نهضته.
واليوم، وأنا أستعيد تجربتي الشخصية مع هذه الصحيفة، أدرك أكثر قيمة أولئك الذين لا يحتفظون بالفرص لأنفسهم، بل يفتحون الأبواب لمن يأتي بعدهم. فقد منحني عبيد حميد المزروعي رحمه الله تعالى والدكتور شريف الباسل مدير تحرير الفجر مساحة لأكتب، مثلما منحا غيري مساحات وفرصاً ليخطوا خطواتهم الأولى.
قد يرحل الإنسان، لكن الفرصة التي منحها لشاب، والكلمة التي شجعه بها، والباب الذي فتحه أمام موهبة في بدايتها، يمكن أن تعيش سنوات طويلة بعد رحيله.
رحم الله عبيد حميد المزروعي، مؤسس جريدة «الفجر»، الشاعر والأديب والإعلامي، وأحد رجال الجيل الذي أسهم في وضع اللبنات الأولى للصحافة الإماراتية.
رحل الرجل، وبقي «الفجر» شاهداً على أن أجمل ما يتركه الإنسان ليس ما حققه لنفسه، بل الأثر وهو ما أتاح للآخرين أن يحققوه.