عبيد المزروعي.. الفقيد الإعلامي الكبير
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ننعي قامة إعلامية ووطنية سامقة، الأستاذ عبيد المزروعي، مؤسس ورئيس تحرير صحيفة «الفجر»، الذي انتقل إلى جوار ربه بعد حياة حافلة بالبذل والعطاء في خدمة الوطن ورفعته.
لقد فقدت دولة الإمارات العربية المتحدة بوفاته واحداً من رعيلها الأول الذين أسسوا لنهضتها الحديثة، وتحديداً في مجال الصحافة والإعلام. كان الفقيد رحمة الله عليه صاحب رؤية ثاقبة وعزيمة لا تلين، حيث أدرك مبكراً أهمية الكلمة المسؤولة والرأي المستنير في بناء مجتمع واعي ومثقف.
رائد تأسيس الصحافة الإماراتية:
يُعد عبيد المزروعي حجر زاوية في جدار الصحافة الإماراتية. بتأسيسه لصحيفة «الفجر» في منتصف سبعينيات القرن الماضي (1974م)، فتح آفاقاً جديدة للإعلام المحلي، محولاً إياه من مرحلة البدايات البسيطة إلى العمل المؤسسي الرصين. لم تكن «الفجر» مجرد جريدة تنشر الأخبار، بل كانت منبراً حراً لمناقشة قضايا الوطن وهموم المواطن، وصرحاً إعلامياً ساهم في تشكيل الوعي الجمعي الإماراتي وتعزيز الهوية الوطنية.
حارس الرأي المستنير:
طوال مسيرته المهنية، ظل الفقيد متمسكاً بمبادئ المصداقية والموضوعية والنزاهة. كان شديد الحرص على أن تكون صحيفة «الفجر» صوتاً للحكمة والاعتدال، ناعياً التطرف والانغلاق، ومروجاً لقيم التسامح والانفتاح التي جُبل عليها شعب الإمارات.
لقد جعل من منبره الإعلامي وسيلة للبناء لا للهدم، ولتجميع الكلمة لا لتفريقها، مدافعاً بصلابة عن المصلحة العليا للوطن.
الأب الروحي للكوادر المواطنة (شهادة شخصية):
إن أعظم إرث تركه الفقيد هو استثماره في الإنسان. لم يبخل يوماً بعلمه وخبرته على الأجيال الشابة، بل كان مدرسة مفتوحة الأبواب، تخرج منها المئات من الإعلاميين الإماراتيين الذين يقودون اليوم مسيرة الإعلام في الدولة.
ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أذكر، ببالغ العرفان والتقدير، موقفاً لن أنساه أبداً، يعكس مدى حرصه على تشجيع المواهب الشابة وزرع الثقة في نفوسهم. فقد كنت لا أزال طالباً في المرحلة الثانوية، حينما تلطف رحمة الله عليه بقبول ونشر تحقيق صحفي قمت بإعداده، ليس في زاوية هامشية، بل منحه مساحة نصف صفحة كاملة في صحيفة «الفجر».
كان هذا الموقف بمثابة قوة دفع هائلة لي، وصك اعتماد مبكرا في عالم الصحافة، زرع في نفسي الطموح والرغبة في الاستمرار. لم يكن مجرد نشر لمادة صحفية، بل كان رسالة أبوية وتشجيعاً صادقاً من قائد حقيقي يؤمن أن مستقبل الوطن يُبنى بسواعد أبنائه وبأقلامهم الشبابية.
إننا إذ نودع اليوم الأستاذ عبيد المزروعي، فإننا نودع جسداً، لكن روحه وفكره وبصماته ستبقى خالدة في ذاكرة الصحافة الإماراتية وفي قلوب كل من تتلمذوا على يديه أو استلهموا من مسيرته.
نتقدم بخالص العزاء والمواساة إلى أسرة الفقيد وذويه، وإلى الأسرة الإعلامية في دولة الإمارات وخارجها، سائلين المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم الجميع الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.