آراء الكتاب
مساحة نستعرض فيها الأفكار والإبداع بهدف إثراء الحياة الثقافية يعبر القارىء فيها عن رأيه ولا يمثل وجهة نظر الصحيفة نتلقى مشاركتكم عبر الايميل
abdalmaqsud@hotmail.com
دروب العطاء .. قصة نجاح إعلامية في دعم العمل الخيري
في زمنٍ تتزايد فيه الحاجة إلى التضامن المجتمعي، وتكاثف الجهود الخيرية، يبرز دور الإعلام كرافدٍ أساسي وفاعلٍ لدعم العمل الإنساني، وتفعيل روح المسؤولية المجتمعية تجاه الفئات الأكثر حاجة، ومن هذا المنطلق، يأتي برنامج «دروب العطاء» الذي يُبث عبر أثير إذاعة «نور دبي» كمنصةٍ إذاعيةٍ فريدةٍ تلتقي فيها القلوب؛ لتقديم الدعم والمساندة للأسر المتعففة والفئات الأقل حظاً.
ما يُميز «دروب العطاء» ليس فقط عرض المشاريع الخيرية، بل الأثر الحقيقي الذي يُحدثه في نفوس الناس، هنا، يتفاعل المستمعون ليصبحوا جزءاً من قصة عطاء متجددة، لأنّهم لا يكتفون بالسماع، بل يتحوّلون إلى فاعلين يحملون معهم رسالة أملٍ وكرم، ليجعلوا من كلّ تبرعٍ نقطة نور في حياة أحدهم.
الإعلام في هذا السياق يتجاوز دوره التقليدي ليصبح شريكاً فاعلاً في بناء مجتمع متماسك.. ويؤكد «دروب العطاء» أنّ العمل الخيري لا يُمكن أن يزدهر دون وجود جسرٍ يربط بين الفكرة والتنفيذ، وبين من يملك ومن يحتاج.. وهذا الجسر هو الإعلام الهادف، الذي يصنع من الكلمات أفعالًا، ومن النوايا حسنات.
وفي ظل هذا الدور الإنساني، يُشكّل البرنامج نموذجاً مشرقاً يُثبت كيف يمكن للإعلام أن يُساهم في إحياء قيم العطاء والتكافل، ويُشجع على استمرار المبادرات التي تخدم المجتمع وتخفّف من معاناة المحتاجين، ومن خلال هذا الجهد، يجد الكثيرون في «دروب العطاء» أملهم المتجدد، ويداً تمتد لهم في أحلك الظروف.
نشكر القائمين على هذا البرنامج الإنساني الرائع، الذي يُجسّد نهج دولة الإمارات وشعبها الكريم في مد يد العون لكل محتاج، سواء داخل الدولة أو خارجها. هذا النهج الذي بات علامة فارقة في سجل الإمارات، يُؤكد أصالة قيم العطاء والتكافل التي تُرسّخها القيادة الرشيدة، ويتفاعل معها الشعب بكل حب ومسؤولية. في نهاية المطاف، يبقى «دروب العطاء» أكثر من مجرد برنامج إذاعي؛ إنّه رسالة إنسانية، وأمل متجدد، وجسر يربط القلوب ويعيد للأمل مكانه بيننا.
أحمد الشناوي:كاتب صحفي
المبدع الخلاق
دنياك هذا اليوم من نور، ومن حسن مذاب
في كل شارقة مني، وبكل غاربة رغاب
والحسن يقطر خالصا، وبفتنة الدنيا يشاب
فأملأ فؤادك من حياة ليس فيها ما يعاب
وتكشف الكون الجميل عن الجمال الغائب
فهناك عبير الباسمات جلاه همس العاتب
وكؤوس أحلام النسيم تهيأت للشارب
والطهر في أحضانه أمل المحب الراغب
وهناك موسيقى نشاز بها انسجام
ألحانها في مسمع الأكوان شابكة النظام
من جن بين يدي معازفها الحكيمة لا يلام
رواد هذا الحسن عاشوا السعادة والسلام
دنياك بنت اليوم .. يا أملي وليست بنت أمس
المبدع الخلاق أنت خلقتها من نور قدسي
واليوم يشرب عالماها الحسن من أكواب نفسي
لما عرفتك يا مناي وغايتي روحي وحسي
سامي سرحان: عضو اتحاد كتاب مصر
الصديق الصدوق.. حين لا يكون السند كلامًا
ليس كل من اقترب صار صديقًا ، ولا كل من ضحك معنا عرف معنى الرفقة ، فالصديق الصدوق لا يُقاس بعدد الجلسات ، ولا بطول الذكريات، بل بتلك اللحظة الفاصلة التي يختفي فيها الجميع، ويبقى هو واقفًا دون أن يُطلب منه البقاء، كأن حضوره وعدٌ قديم لم ينكسر، الصديق الصدوق لا يأتي صاخبًا، بل هادئًا كظلٍّ يعرف مكانه من الروح ، لا يسأل كثيرًا ، ولا يبرّر وقوفه، فقط يكون هناك.
حين تتخاذل الأكتاف، وحين يصير الكلام عبئًا، هو السند الذي لا يستعرض قوته، لأنه لا يخاف أن يُرى ضعيفًا معك، وفي الزعل، تظهر معادن الرجال، فالصديق الصدوق لا يجعل الخلاف ساحة انتصار، ولا يحوّل العتب إلى قطيعة، يعرف أن القلوب تُرمّم بالحكمة لا بالكبرياء، وأن الصداقة التي لا تحتمل زعلًا صغيرًا، لم تكن يومًا صداقة حقيقية، هو الذي يختلف معك ويبقى، ويغضب منك دون أن يخذل صورتك في غيابك.
وحين يتخلّى الناس، لا يرفع شعارات الوفاء، بل يُمارسه، يصبح أخًا دون دم، وعائلة دون اسم، وملجأً لا يحتاج إلى مفاتيح، وجوده لا يحلّ كل الأزمات، لكنه يجعلها محتملة، كأنك تقول في داخلك، ما دام هو هنا… فأنا لست وحدي، الصديق الصدوق ليس ملاكًا، ولا نسخة مثالية ، لكنه صادق بما يكفي ليحملك حين تتعب، ويوجهك حين تخطئ، ويحفظك حين تغيب، هو نعمة لا تُطلب، وكنز لا يُعوّض، وإذا قلت القلوب، وكثُرت الوجوه، يبقى الصديق الصدوق، أحد أشكال النجاة.
الصحفي حيدر فليح الشمري
إشراقة
بكل فخرٍ واعتزاز، أتقدّم بأسمى آيات التهنئة والتقدير بمناسبة هذا الحدث الصحفي الراقي، الذي أعاد إلى الذاكرة صفحاتٍ ناصعة من تاريخ الصحافة الوطنية، وجسّد قيمة الكلمة حين تكون شاهدًا على الوطن وحارسة لوعيه.
إن حضور " جريدة الفجر" معرض «ذاكرة الوطن الصحفية» لم يكن مجرد حضورٍ بروتوكولي، بل كان احتفاء حقيقيًا بمسيرة مهنية ثرية، تركت بصمتها في الوجدان قبل الأرشيف، وفي العقول قبل الصفحات، ويظل عرض الصفحة الأولى من جريدة «الفجر» في سبعينيات القرن الماضي، والحوارات الصحفية مع قادة الدول، شاهدًا على مرحلة تأسيسية كان فيها القلم مسؤولية، والحرف موقفًا، والصحافة رسالة لا تُساوَم، أما صفحة «آراء الكُتّاب» التي تصدر كل يوم اثنين، التي تحوّلت إلى منبرٍ حرّ للفكر، ومساحةٍ نزيهة للاختلاف، ومدرسةٍ في احترام الرأي والرأي الآخر.
وإنني، إذ أتشرف بالنشر في هذه الصفحة العريقة، أؤكد أن هذا الحدث لا يكرّم شخصًا بعينه فحسب، بل يكرّم جيلاً كاملًا آمن بأن الصحافة ذاكرة وطن، لا تُمحى، ورسالة وعي، لا تنطفئ، دام العطاء، ودامت الكلمة صادقة، ودامت الصحافة نبضًا حيًا في قلب الوطن.
محمد شوقي
زنزانة VIP 2
بروتوكول الاختفاء.. حين يصبح الغياب هيبة" إن الـ VIP الحقيقي هو من يتقن فن "الانسحاب السيادي". ليس الهروب من المعركة، بل الصعود إلى شرفة الروح لمراقبة المشهد من علٍ، هذا الغياب ليس فراغاً، ففي سكونك تكمن القوة التي تحرك الجبال وفي صمتك تبقى الحكمة التي تعجز عنها الخطابات الرنانة.
إن الحل الذي سيذهل المتوترين يكمن في "فيض الاكتمال، عندما تتوقف عن محاولة إثبات جدارتك، تبدأ الجاذبية الحقيقية بالتدفق من مسام روحك هنا يصبح غيابك "نداءً إن القدرة على أن تكون "غير متاح" هي أعلى درجات الرفاهية النفسية، فهي تخبر العالم أن وقتك ليس مشاعًا، وأن روحك ليست للاستهلاك.
ولكن ماذا يحدث حين تصمت الهواتف وتتوقف التصفيقات؟ لقد اعتاد أن يلمح وجهه في مرايا الآخرين، فخشي سكون الستار، ظنا منه أن الحياة صخب، لكن السر يكمن في أن الروحَ تكتمل حين تفيض همسة من السكينة في عزلة الغياب" حين تمارس بروتوكول الاختفاء، أنت لا تغادر مكانك، بل "تسترد مساحتك الترددية" إنك تعيد ضبط ميزانك الداخلي، ليكون ثباتك كالجبل الذي يربط الأرض بالسماء ، قوة راسخة، صامتة، وممتدة بلا نهاية، هذا الانعزال الواعي ليس ضعفاً، بل هو "امتلاء" يجعلك تتوقف عن استجداء التقدير من منصات الآخرين.
الحل الذي سيذهل عقول "المتوترين" هو أنك حين تنكفئ على ذاتك، تفتح بوابات "الفيض والتدفق" تلك الجاذبية التي تجعل الآخرين يلتفتون نحوك حتى وأنت صامت، هي نتاج اكتمال روحك وتوقفها عن الركض خلف السراب، إنها الحالة التي يصبح فيها "عدم تواجدك" هو الحدث الأهم، وصمتك هو الجواب الأكثر بلاغة.
وفي تلك اللحظة التي تقرر فيها أن تكون "سيد عزلتك"، يحدث "الانبعاث العظيم". ستكتشف أن تلك الغصة التي كانت تخنق حنجرتك لم تكن إلا صرخة من روحك تطالبك بالعودة إلى بيتك الداخلي. عندما تعبر خطواتك نحو هذا الصفاء، ستجد أن الرؤية البانورامية التي كنت تنشدها قد تجلت؛ فترى الحلول في سكون الماء، لا في اضطراب الموج.
أنت الآن لا تدير أرقاماً أو أشخاصاً، بل تدير "دولة نفسك". وعندما يدرك العالم أنك تملك شجاعة الاختفاء، سيحترم "حضورك" أكثر مما فعل في أي وقت مضى. أنت VIP ليس لأنك متاح للجميع، بل لأنك تملك المفتاح الوحيد الذي يغلق باب الزنزانة من الداخل، لتفتح أبواب الحرية المطلقة.
إيمان الصقار : كاتبة
الانتماء
عندما نرى شخصًا يهين وطنه، ويصبح بوقًا إعلاميًا ضد وليس مع، نفكر في مفهوم الانتماء، خاصة وأنه شعور داخلي عميق بالارتباط والانتساب إلى كيان معين مثل (الوطن، الأسرة، الفكرة، الجماعة)، وهذا الشعور يترجم إلى سلوك عملي في إطار التعاملات الإنسانية التى تضم، الحب، والتضحية، وتعكس الإنسانية الأساسية للأمن النفسي والهوية، حيث يشعر الفرد بكونه جزءًا مقبولاً ومهمًا من منظومة أكبر من كونه نقطة في حلقة كبيرة.
ومن أبرز معاني ومظاهر الانتماء تلك العلاقة العاطفية والسلوكية التى لا تقتصر على مجرد الانتساب الشكلي، بل هو التزام صادق وتضحية، وكذلك الانتماء للوطن النابع من حب الأرض والاعتزاز بالهوية، والعمل على رفعته وحمايته، من خلال ركيزة نفسية تعزز استقرار الفرد النفسي ويمنح لحياته معنى وقيمة، وقد يؤدي غيابه إلى آثار نفسية سلبية، والمشاركة والاندماج الشعور بالقبول والقدرة على المساهمة الإيجابية داخل الجماعة، باختصار الانتماء هو أن تكون جزءًا من كل يمنحك هويتك ويمنحه تفانيك، ولا يقتصر على حب الوطن والانتماء له بل البيت والأهل والأسرة.
حمادة الجنايني
أحجام اللقطات المرئية
تعد أحجام اللقطات المرئية من أهم الأدوات المستخدمة في الأفلام والتلفزيون والتصوير الفوتوغرافي وسرد القصص المرئية، وهي تشير إلى مقدار ما يظهر من الموضوع داخل الإطار ومدى قرب الكاميرا، ومن خلال تغيير أحجام اللقطات، يوجه المبدعون انتباه المشاهد، وينقلون المشاعر، ويشكلون معنى المشهد، لكل حجم لقطة غرض محدد، ويساعد في سرد القصة بفعالية أكبر.
غالبا ما تستخدم اللقطة البعيدة جدا لإظهار منظر واسع لموقع أو بيئة، في هذه اللقطة، تظهر الشخصيات عادة صغيرة جدًا مقارنة بمحيطها، يستخدم هذا النوع من اللقطات عادة في بداية المشهد لتحديد المكان أو الزمان أو الحالة المزاجية، فهو يساعد المشاهد على فهم مكان وقوع القصة، ويمكن أن يثير مشاعر العزلة أو الحرية أو العظمة.
اللقطة البعيدة، والمعروفة أيضا باللقطة الكاملة، تظهر جسد الشخصية بالكامل من الرأس إلى القدمين. تتيح هذه اللقطة للمشاهدين رؤية الشخصية وعلاقتها بالبيئة، يستخدم هذا النوع من اللقطات غالبا لإظهار الحركة أو لغة الجسد، مما يجعله مفيدًا في المشاهد التي تتضمن تفاعلا جسديا أو تصميما حركيا.
تصور اللقطة المتوسطة الشخصية من الخصر إلى أعلى، وهي من أكثر أحجام اللقطات استخداما لأنها تحاكي إلى حد كبير كيفية رؤية الناس لبعضهم البعض في المحادثات اليومية، توازن اللقطات المتوسطة بين تعابير الوجه ولغة الجسد، مما يجعلها مثالية لمشاهد الحوار، فهي تساعد الجمهور على التفاعل مع الشخصيات مع الحفاظ على إحساسهم بالسياق.
تظهر اللقطة المتوسطة المقربة عادة الشخصية من الصدر أو الكتفين إلى أعلى، تقرب هذه اللقطة الجمهور من الشخصية وتبرز تعابير الوجه والمشاعر، تستخدم غالبا خلال المحادثات المهمة أو اللحظات العاطفية، مما يسمح للمشاهدين بالتركيز على مشاعر الشخصية دون فقدان الإحساس بالمساحة.
تركز اللقطة المقربة بدقة على وجه الشخصية أو شيء محدد، تبرز هذه اللقطة المشاعر أو ردود الفعل أو التفاصيل المهمة التي يجب على الجمهور ملاحظتها. تضفي اللقطات المقربة، جوًا من الألفة والعمق، مما يجعل المشاهد يشعر بارتباط عاطفي بالشخصية. وهي شائعة الاستخدام خلال المشاهد الدرامية أو العاطفية.
تركز اللقطات المقربة بدقة على وجه الشخصية أو شيء محدد، تبرز هذه اللقطة المشاعر أو ردود الفعل أو التفاصيل المهمة التي يجب على الجمهور ملاحظتها. تخلق اللقطات المقربة جوًا من الألفة والتأثير، مما يجعل المشاهد يشعر بارتباط عاطفي بالشخصية. تُستخدم عادةً خلال المشاهد الدرامية أو العاطفية. تظهر اللقطة المقربة للغاية تفصيلاً دقيقا جدا، كعين أو يد أو شيء ما، تستخدم هذه اللقطة للفت الانتباه إلى شيء ذي دلالة أو رمزية بالغة الأهمية. ويمكنها خلق توتر أو تشويق أو تأثير عاطفي قوي من خلال إجبار المشاهد على التركيز على تفصيل واحد.
وختاما، تلعب أحجام اللقطات دوراً حيويا في السرد البصري، فمن اللقطات الواسعة التي تحدد المكان إلى اللقطات المقربة التي تكشف عن المشاعر، يُسهم كل حجم لقطة في كيفية فهم القصة والشعور بها. ومن خلال اختيار أحجام اللقطات بعناية، يستطيع صانعو الأفلام والفنانون البصريون التحكم في الحالة المزاجية والمعنى وتفاعل الجمهور، مما يجعل أعمالهم أكثر قوة وتأثيرا.
معاذ الطيب : مخرج سينمائي
وجديات
لا..
لا..
لن أجدَ مكاناً في الكوكبْ
ولن أذهبَ.. لهذا المخبأْ
فقلبي الصغيرُ.. أبداً لا يفسدْ
حبيبتي
تعالي أَمْسِكي يديًّ.. فقد تاهَ المِرفقْ
وعصافيري.. وعصافيري الصغيرةُ
ما عاد يفرحها.. قمحٌ مذهبْ
سألتُ هذا الناسكَ
سألتُهُ فجاوبني الأحدبْ:
"إن كان.. إن كان عكازُكَ مثلي.. فدعني..
دعني بعيداً.. بعيداً أذهبْ"
فظهري لم يكُ كذلكْ
لم يكُ كذلكَ في طريقٍ معبّدْ
الناسكُ يضحكُ من ذاك الأحدبْ
متفاخراً.. بهذا المخبأْ
يسألُ اللهَ ألا يحرمَهُ فَرعيّ الشجرةِ
مهما كان.. جذعُها أجدبْ
فريد فؤاد : شاعر
النحو: القانون الكوني للغة الحية
إذا كان الصوت هو الوحدة الأولية للغة، فإن النحو هو النظام الذي يمنح هذا الصوت قابليته للانتظام والتحول إلى خطاب ذي معنى. فاللغة الحيّة ليست مجرد أداة للتداول الاجتماعي، بل نظام لا-أبيلي؛ أي إن ترتيب عناصره ومسار تشكّله يؤثران مباشرة في النتائج. حياتها تُقاس بقدرتها على التوليد والتنظيم الداخلي، لا بمجرد عدد متحدثيها أو استمرار استخدامها. في هذا الإطار، النحو ليس مجرد زخرفة لغوية تضاف بعد اكتمال الكلمات، بل هو الآلية التي تنتظم بها الصيغ وتُحدد العلاقات بين العناصر اللغوية. الصوت يمنح اللغة مادتها الأولية، والنحو يمنحها شكلها القابل للحياة، بينما يتجلى المعنى بوصفه أثرًا لهذا الانتظام، لا نقطة بدايته. اختلاف الترتيب ليس اختلافًا شكليًا، بل اختلاف في المعنى وفي زاوية النظر إلى الحدث أو الفكرة، ما يجعل النحو نظامًا غير تبادلي بامتياز، أقرب إلى الأنظمة الحية منه إلى الصيغ الحسابية البسيطة.
هذا التصور يتجاوز النحو التقليدي لـ "نعوم شومسكي"، الذي ركّز على المستويين العميق والسطحي. نحن نقرأهما معًا بوصفهما حقلًا دلاليًا متفاعلًا مع السياق التداولي، حيث يصبح النحو أداة تنظيمية حيّة: من الطاقة الصوتية الخام إلى انتظام الصيغة، ومن انتظام الصيغة إلى بناء الخطاب والمعرفة.
يمكن ملاحظة هذا المنطق في مجالات أخرى. في الفيزياء، لا تكفي معرفة المكونات لفهم الظاهرة؛ المسار الذي تتخذه الجسيمات يحدد النتائج. وفي أنظمة الطاقة، لا تُقاس الكفاءة بالمادة وحدها، بل بالبنية التي تنتظم فيها. كذلك في اللغة، لا يُستخلص المعنى من الكلمات منعزلة، بل من انتظامها النحوي ومسارها التداولي.
إدراك النحو بهذه الرؤية يعيد له مكانته كحلقة وصل بين الصوت والمعنى، والبنية والوظيفة. ومن هنا، يصبح الانتقال الطبيعي إلى دراسة المعجم ليس جمعًا لألفاظ، بل قراءة لحقل دلالي تتشكل فيه الرؤى ويُعاد من خلاله بناء العالم لغويًا، بهذا يتجلى النحو الكوني بوصفه المستوى التنظيمي الأعلى للغة الحية، مكملًا ما بدأناه في مقال "اللغة الحية: من التداول إلى البنية"، حيث تنتقل القراءة من الصوت إلى قانون القول، ومن البنية المنتِجة إلى البنية المنظمة، محافظة على رؤيتنا "السفيركية" للنحو الكلاسيكي كأداة حقلية-دلالية ومجالية-تداولية في آن واحد.
مأمور اول مامور جوك – باحث