« صندوق أبوظبي للتنمية» : 45 % من كوادرنا الإماراتية مواطنات
خلافاً للاعتقاد السائد
الإفراط في تناول البروتين قد يسرع الشيخوخة ويزيد خطر السكري والسمنة!
كثيراً ما ساد الاعتقاد بأن البروتين يمثل الركيزة الأساس في كل حمية صحية وكلما أمكنك تضمين وجبتك المزيد منه كان أفضل، غير أن البروفيسور فالتر لونغو يؤكد أن هذا العنصر الغذائي ليس الترياق السحري للصحة خلافاً لما يشاع عنه
البروتين.. إنه العنصر الغذائي "المعجزة" من بين المغذيات الكبرى، لما ينسب إليه من قدرة على بناء العضلات، وحرق الدهون، وتعزيز قوة العظام، ودعم جهاز المناعة، فضلاً عن مزايا أخرى. وخلاصة هذا التوجه: كلما زادت حصتك من البروتين، كان ذلك أفضل.
لكن بحثاً جديداً يفيد بخلاف ذلك، بل يشير إلى أن الإفراط في تناول البروتين من شأنه أن يسرع عملية الشيخوخة، ويسهم في زيادة خطر الإصابة بالسكري واتساع محيط الخصر. وفي المقابل، يساعد الحد من إجمالي كمية البروتين المتناولة يومياً في تحسين تركيب الجسم من نسب الدهون والكتلة العضلية والماء وغيرها وتعزيز الصحة الأيضية أو كفاءة التمثيل الغذائي.
ولكن المسألة أكثر تعقيداً، إذ يلفت البروفيسور فالتر لونغو، الذي شارك في إعداد هذه الدراسة الجديدة بصفته أحد الباحثين الرئيسين، إلى أن البروتين يتكون من وحدات بناء تسمى أحماضاً أمينية، وأن مصادر البروتين المختلفة توفر أنواعاً مختلفة من الأحماض الأمينية بكميات متفاوتة. بالتالي، فإن صحتك المستقبلية قد تتحدد ليس بكمية البروتين التي تتناولينها فحسب، بل أيضاً بمصدره.
المكون السري لحياة طويلة وقوية
"إذا تأملنا في الفئران والجرذان وكثير من الأنواع الحية الأخرى، فإننا نعلم منذ سنوات أن إحدى طرائق إطالة عمرها الحد من تناول البروتين"، يقول البروفيسور لونغو، مؤلف كتاب "حمية طول العمر" The Longevity Diet.
وأضاف البروفيسور لونغو: "نعلم أيضاً أن سكان جنوب إيطاليا، وربما اليابان (منطقتان تشتهران بطول العمر والأنظمة الغذائية المنخفضة البروتين) يتسمون ببنية أكثر وهناً وضعفاً مقارنة بسكان وسط وشمال أوروبا".
ويوضح البروفيسور "لقد سعت هذه الدراسة إلى حل تلك المعضلة: هل يسعنا اتباع نظام غذائي منخفض البروتين، وفي الوقت نفسه نحافظ على قوتنا الجسدية ونتجنب الضعف الجسدي؟".
وإذ عمل البروفيسور لونغو وفريقه على الفئران، أدخلوا تعديلاً بسيطاً إلى النظام الغذائي المنخفض البروتين لتحقيق هذا الهدف: زيادة استهلاك حمض أميني أساس يسمى "الميثيونين" methionine، لا يستطيع الجسم إنتاجه.
ويشرح البروفيسور لونغو "تبين أن إضافة كمية قليلة جداً من الميثيونين إلى نظام غذائي منخفض البروتين، على غرار حمية أوكيناوا (تعتمد على الأطعمة النباتية وتتميز بانخفاض البروتين والسعرات نسبياً، وترتبط بطول العمر) أو حمية البحر المتوسط، تصنع فارقاً كبيراً. إذ تساعد في الحفاظ في القوة، وإطالة العمر إلى أقصى حد، وفقدان الدهون، من دون خسارة الكتلة الخالية من الدهون (العضلات)، مع إمكان تناول كميات كبيرة من السعرات الحرارية".
لحسن الحظ، يتوفر "الميثيونين" في الأطعمة كافة، بدءاً من البروتينات الحيوانية وصولاً إلى المكسرات والبذور والحبوب الكاملة والبقوليات، ولكن كمياته تتفاوت كثيراً بين طعام وآخر. تحتوي البروتينات الحيوانية عادة على كميات أكبر منه، في حين يحوي بعض مصادر البروتين النباتي كميات أقل بكثير.
لتحقيق أفضل النتائج الصحية، ينصح البروفيسور لونغو بالتعامل مع "الميثيونين" وفق مبدأ "الاعتدال التام"، إذ إن نقصه الشديد يؤدي إلى الوهن والضعف الجسدي، في حين يتسبب الإفراط فيه في زيادة الوزن وتسارع الشيخوخة".
ويقول البروفيسور لونغو إنه "في المستطاع تحقيق التوازن المثالي الذي يوفر الحماية" من طريق اتباع نظام غذائي منخفض البروتين، تكون فيه مصادر البروتين النباتية أكثر من مصادر البروتين الحيوانية بنسبة تقارب اثنين إلى واحد. ويضيف أن المصادر الحيوانية ينبغي أن تكون في معظمها الأسماك، مع تناول كميات قليلة من اللحوم الحمراء والمصنعة.
هل تنطبق هذه النصيحة على البشر؟
في إطار دراستهم، طلب البروفيسور لونغو وفريقه من البروفيسور فرانك هو، رئيس قسم التغذية في "جامعة هارفارد"، تحليل بيانات خاصة بأكثر من 200 ألف رجل وامرأة.
أظهرت النتائج أن "الأشخاص الذين تناولوا أعلى كميات من البروتين الحيواني كانوا يميلون إلى اتباع نمط حياة أكثر صحة، ولكن معدل انتشار السكري من النوع الثاني لديهم كان يقارب ضعف معدله لدى الأشخاص الذين تناولوا أقل كميات منه".
ويشرح البروفيسور لونغو "ربما يفسر هذا سبب إصابة كثر بالسكري أو زيادة أوزانهم على رغم اتباعهم أنظمة غذائية صحية نسبياً، إذ إن الأشخاص الذين يتبعون حمية غذائية غنية بالبروتين الحيواني يكونون أكثر عرضة بكثير للإصابة بالسكري، كما أن نسبة من يعانون زيادة الوزن والسمنة بينهم أعلى بأشواط".
وخلص الباحثون إلى أن "هذه النتائج تشير إلى أن الأنظمة الغذائية القائمة أساساً على المصادر النباتية والمنخفضة الأحماض الأمينية، تبقى الأكثر فاعلية في إطالة سنوات العمر الصحي، غير أنها تتطلب استهلاكاً معتدلاً للميثيونين لتجنب الوهن الجسدي".
لكن ماذا لو كنت نشيطاً وترغب في بناء العضلات؟
من المسلم به عموماً أن الأشخاص النشيطين يحتاجون إلى حصة أكبر من البروتين لدعم مجهودهم البدني، فأنشطة مثل رفع الأثقال والقفز والركض السريع تحفز تغيرات إيجابية في الجسم، الذي يستخدم الأحماض الأمينية الموجودة في البروتينات لإحداث هذه التكيفات، من بناء عضلات أكبر وتقوية العظام إلى جعل المفاصل أكثر قوة ومتانة.
وإحدى التوصيات التي كثيراً ما تسمع رواد صالات الرياضة يرددونها الحرص على تناول غرامين من البروتين يومياً لكل كيلوغرام من وزن الجسم، يرجح أن يكون مصدر هذا الرقم دراسات على غرار دراسة تعود لعام 2016، وخلصت إلى أن تناول ما يصل إلى 3.4 غرام من البروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم يومياً قد يحقق فوائد في تركيب الجسم "بالتزامن مع الالتزام ببرنامج مكثف من تمارين المقاومة".
ولكن رأياً مغايراً يطرح تساؤلاً مهماً: ما الذي يستفيد منه الجسم فعلياً من هذا الهدف اليومي الضخم؟ فنحن نتحدث عن 306 غرامات من البروتين لرجل يزن 90 كيلوغراماً، أي ما يعادل تقريباً 50 بيضة.
ومن الأمثلة الأخرى على البحوث التي تدعم تناول كميات أكبر من البروتين مراجعة تعود لعام 2019. وتؤيد توصيات بتناول 1.6 إلى 2.4 غرام من البروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم يومياً من أجل خسارة الدهون، والحفاظ على العضلات، ودعم الأداء لدى الرياضيين.
وهنا تكمن العبارة المفتاحية "لدى الرياضيين"، فبسبب تدريباتهم الشاقة وأهدافهم المتعلقة بالأداء الرياضي، تختلف احتياجاتهم الغذائية عن احتياجات معظم الناس.
ولاحظت، بصورة متزايدة، حملات تسويقية تستهدف عامة الناس بتوصيات مخصصة للرياضيين من أعلى المستويات: حصص بروتين تعجيزية، وجداول نوم مثالية، وروتينات صباحية تعتمد على المكملات الغذائية. وفي كثير من الأحيان، تتجاوز هذه الأمور ما يحتاج إليه الشخص العادي، وغالباً ما يجري ترديدها بهدف بيع منتجات لياقة بدنية باهظة الثمن.
دعماً لهذا الرأي، خلصت مراجعة منهجية وتحليل تلوي أجريا عام 2017 إلى أنه، على رغم أن مكملات البروتين تساعد البالغين الأصحاء في زيادة قوة العضلات وحجمها من خلال تدريبات القوة، فإن تناول أكثر من نحو 1.6 غرام من البروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم يومياً "لا يسهم في نمو إضافي للعضلات".
صار هذا المعدل التقريبي هدفي، وقد ناسبني جيداً على مر السنين. فقد تمكنت من بناء العضلات، والحفاظ على بنية جسم أشعر بالرضا عنها، وتحقيق عدد من أهداف الأداء في الركض وتمارين القوة على حد سواء، ولكن البروفيسور لونغو يوصي بتناول كمية أقل من ذلك.
كمية البروتين الضرورية يومياً وفق خبير في طول العمر
يخبرني البروفيسور لونغو: "ينبغي أن تكون الأطعمة التي تتناولها مخصصة لاحتياجاتك الشخصية، ولذا أفضل الحديث عن النسب بدلاً من كميات محددة".
"يمكنك البدء بـ0.8 غرام [من البروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم يومياً]، إنه الحد الأدنى الذي توصي به الجمعيات الطبية في مختلف أنحاء العالم. ابدأ بـ0.8 غرام لكل كيلوغرام، واحرص على أن تكون نسبة البروتين النباتي إلى البروتين الحيواني اثنين إلى واحد"، يقول البروفيسور لونغو.
لكنه يضيف أنك إذا كنت تمارس تمارين القوة بانتظام، ووجدت أنك تفقد كتلتك العضلية باتباع هذا النهج، فقد تحتاج إلى إجراء بعض التعديلات".
ويوضح البروفيسور لونغو: "لقد راجعنا للتو عدداً كبيراً من الدراسات، واتضح أن الإفراط في تناول البروتين لن يفيدك كثيراً [في ما يتعلق بنمو العضلات]، بينما ستفيدك تمارينك كثيراً. لكن إذا كنت تمارس تمارين المقاومة وما زلت تفقد كتلتك العضلية، فقد يكون [مدخولك] من الأحماض الأمينية غير كاف، وقد تضطر إلى زيادته قليلاً".
وختم البروفيسور لونغو "ربما يكفي أن تزيدها بنسبة 10 أو 20 في المئة فقط، ولا داعي لرفعها إلى غرامين لكل كيلوغرام كما يردد بعضهم. فإذا كنت تفقد كتلتك العضلية، ربما يعني ذلك ببساطة زيادة الكمية من 0.8 غرام لكل كيلوغرام إلى 1.1 غرام لكل كيلوغرام، ما من شأنه أن يحل المشكلة".